
بيروت، لبنان (أخبار إنمائية) — في ظلّ تصاعد التوترات الإقليمية، أعدّ لبنان بصمت واحدة من أكثر الخطط حساسيةً وتقدماً لمواجهة سيناريو كارثي نادر: حادث نووي يطال أجواءه وأراضيه. تتمحور هذه الخطة حول مفاعل "ديمونا" النووي الإسرائيلي، الذي يبعد أقل من 350 كيلومتراً عن الأراضي اللبنانية، ويُعتبر الخطر الإشعاعي الأكبر.
عقب الضربة الإيرانية الأخيرة على قاعدة "العديد" الجوية الأميركية في قطر، تصاعدت المخاوف من تسرّب إشعاعي قد يمتدّ إلى لبنان. وفي هذا السياق، شدد رئيس الحكومة نواف سلام، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القطري، على ضرورة تجنّب أي سباق نحو التسلّح النووي في منطقة الشرق الأوسط.
وقد كشفت الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية عن خطة طوارئ وطنية شاملة أُعدّت عام 2012، تحاكي احتمال وقوع انفجار في مفاعل ديمونا، وتُحدّد بدقة أدوار الوزارات المعنية، من الدفاع والصحة والبيئة إلى الأجهزة الأمنية، مع إجراءات تبدأ من "الاكتشاف والإنذار" وصولاً إلى "الاحتواء والتدابير المضادة".
رئيس الهيئة، الدكتور بلال نصولي، أوضح أن التلوث النووي القادم من إيران يحتاج إلى خمسة أيام ليصل إلى لبنان، بينما يحتاج يومًا واحدًا فقط في حال تسرب إشعاعي من مفاعل ديمونا، ما يجعل الخطر الإسرائيلي أكثر إلحاحاً. وأشار إلى أن منشآت إيران النووية، المحمية تحت الأرض، لا تشكّل تهديدًا فوريًا على غرار مفاعل ديمونا، الذي تظل محتوياته غير معلنة بسبب رفض إسرائيل الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
ومنذ عام 2013، فعّل لبنان شبكة إنذار مبكر تتألف من 20 محطة رصد موزعة على مختلف المناطق اللبنانية، تراقب الخلفية الإشعاعية على مدار الساعة. وحتى الآن، لا تزال القراءات ضمن المستويات الطبيعية، إلا أن النظام مبرمج لإطلاق إنذارات تلقائية حال تضاعف نسب الإشعاع في أي منطقة، مما يستدعي تدخلاً فورياً. أما الإخلاء الشامل فلا يتم إلا في حال بلوغ معدلات إشعاعية كارثية تتجاوز الملايين من النانو سيفرت في الساعة.
وفي أسوأ السيناريوهات المفترضة، يشير نصولي إلى أن نسبة التلوث المحتملة في لبنان ستكون محدودة وقابلة للسيطرة، شبيهة بما شهدته مناطق بعيدة بعد كارثتي تشيرنوبيل وفوكوشيما، ولا ترتقي إلى مستوى الخطر الشامل.
وتنسّق الحكومة اللبنانية يوميًا مع الوكالة العربية للطاقة الذرية والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمواكبة المستجدات وتحديث خطط الطوارئ، تحسّباً لأي تطورات غير متوقعة.
وعلى الرغم من التفاهمات المعلنة حول وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، يظلّ خطر الحوادث النووية قائمًا. وفي بلد لا يزال يعاني من تداعيات انفجار مرفأ بيروت عام 2020، تمثّل هذه الخطة النووية أكثر من مجرد إجراء احترازي؛ إنها رهان على الجهوزية المبكرة والاستجابة المنسّقة، في منطقة كثيراً ما تجد نفسها في قلب الكوارث، دون سابق إنذار.
وتُجسّد هذه الاستراتيجية الوطنية وعي الدولة اللبنانية للمخاطر الإقليمية المعقدة، وحرصها على حماية مواطنيها من خلال خطط مدروسة، ومعدات متطورة، وتعاون بين مختلف مؤسسات الدولة.





