الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (NSSF)
الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (NSSF)

بيروت، لبنان (أخبار إنمائية) — بعد أكثر من خمس سنوات على الانهيار المالي في لبنان، لا تزال تعويضات نهاية الخدمة تغرق في حالة من الغموض. بالنسبة لآلاف العمال الذين تلقوا مستحقاتهم بين عامي 2019 و2023، تحولت هذه التعويضات، التي كانت في السابق مصدرًا للأمان المالي، إلى خسارة كبيرة بفعل تدهور قيمة الليرة اللبنانية والانخفاض الحاد في القدرة الشرائية.

أصحاب العمل يرفضون دفع التسويات

تعتمد تعويضات نهاية الخدمة على التسويات، وهي مبالغ إضافية تغطي الفجوة بين الاشتراكات المدفوعة خلال فترة العمل والقيمة النهائية المستحقة عند انتهاء الخدمة. لكن العديد من أصحاب العمل يرفضون دفع هذه التسويات، خاصة مع ارتفاع قيمتها نتيجة تقلبات سعر الصرف.

وأشارت رشا جعفر، المديرة الفنية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى أن أصحاب العمل كثيرًا ما يعترضون على الحسابات استنادًا إلى قانون الموازنة الحكومية القديم، الذي حدد سعر صرف الليرة بـ15,000 ليرة حتى شهر أذار 2023، و89,500 ليرة بدءًا من عام 2024. وأكدت أن "هذه الآلية مؤقتة" وتنتظر إصدار قانون جديد.

وفي الوقت نفسه، يلتزم الصندوق بالقوانين الحالية التي تلزم باحتساب التعويضات بناءً على آخر راتب والاشتراكات المدفوعة خلال فترة العمل.

النزاعات القضائية تعيق صرف التعويضات

يقدم العديد من أصحاب العمل دعاوى قضائية لوقف صرف التعويضات، ما يؤدي إلى تأخيرات قد تمتد لشهور أو حتى سنوات. وبمجرد تسجيل النزاع، يُمنع الصندوق من صرف أي مبلغ حتى صدور حكم قضائي نهائي.

وأوضحت جعفر أن الضمان لا يزال قادرًا على الدفع في الملفات غير الخاضعة لاعتراض، مشيرة إلى أن أي شكوى من الأجير تُحال إلى التفتيش لتحديد الكسب الفعلي ومن ثم احتساب التعويض.

فجوة التمويل والتقارير غير الدقيقة عن الأجور

يقتطع أصحاب العمل نسبة 8.5% من رواتب العمال الشهرية لصندوق خاص بتعويضات نهاية الخدمة. لكن انهيار الليرة وانتشار التلاعب في الإفصاح عن الأجور جعل هذه الاقتطاعات غير كافية لتغطية المستحقات كاملة.

وفي حال تأخر الدفع، تُحال القضايا إلى قسم القضايا في الصندوق الذي يمكنه اتخاذ إجراءات قانونية وحجز أصول الشركات. وترجع العديد من النزاعات إلى قيام أصحاب العمل بالإبلاغ عن رواتب أقل من الحقيقة، مما يقلل من قيمة التعويضات، ويقوم مفتشو الصندوق بالتحقيق لضمان احتسابها بناءً على الأجور الحقيقية.

الأشد تضررًا: الموظفون الذين تقاضوا بين 2019 و2023

تكبد الموظفون الذين تسلموا تعويضاتهم بين 2019 و2023 أكبر الخسائر نتيجة الانخفاض الحاد في قيمة تعويضاتهم. وأوضحت جعفر أن الصندوق لا يمكنه إعادة احتساب هذه المبالغ أو تعديلها إلا بعد إصدار تشريع جديد. وأضافت أن "أي تعديل يجب أن يتم عبر قانون أو مرسوم رسمي".

من جانبه، قال نبيل فهد، نائب رئيس غرفة تجارة بيروت وجبل لبنان، إن الشركات التي دفعت تعويضات في تلك الفترة تواجه الآن طلبات لدفعها مرة أخرى رغم فقدان القيمة الأصلية لتلك الأموال. ووصف الوضع بأنه "غير منصف" للشركات، مع اعترافه بأن العمال فقدوا حقوقهم بسبب تدهور قيمة الليرة.

مقترحات حلول متعثرة

تم اقتراح عدة حلول خلال السنوات الماضية، منها اقتراح النائب فيصل كرامي إعادة حساب 50% من التعويضات السابقة على أساس سعر صرف 45,000 ليرة للدولار، على أن تتحمل الدولة وأصحاب العمل التكلفة بالتساوي، لكن الاتحاد العمالي العام رفض المقترح، معتبراً أنه "غير عادل للعمال".

واقترح فهد بدوره الحصول على قرض من البنك الدولي لتسديد التعويضات، مع السماح لأصحاب العمل بتقسيط المبالغ المستحقة. وقال: "هذا الحل يحمي حقوق العمال ولا يضر بأداء الشركات."

خطر الإفلاس المحاسبي

حذر فهد من أن كثيرًا من الشركات تسجل التزامات تعويضات نهاية الخدمة دون وجود سيولة فعلية، ما يجعلها تبدو مفلسة محاسبيًا على الرغم من استمرار نشاطها التجاري. وشدد على ضرورة إيجاد حل شامل يحفظ حقوق العمال ويجنب انهيار المؤسسات.

تحديات تشريعية

وكانت قد عقدت لجنة الصحة والعمل البرلمانية عدة جلسات لمناقشة الملف، لكنها لم تصل إلى قرار نهائي. كما تم اقتراح خطة تعويض جزئية لم تُعرض بعد على لجنة المال والموازنة.

وقال النائب بلال عبد الله إن الحل النهائي يكمن في نظام التقاعد والحماية الاجتماعية الجديد الذي أُقر العام الماضي لكنه لم يُفعّل بعد. وأضاف أن النظام لا يشمل من سبق لهم تسلم تعويضاتهم.

العمال ينتظرون الحل

وتتضمن الحلول المطروحة حاليًا تسويات مؤقتة، تمويلًا دوليًا، ونظام تقاعد جديد، لكن لم يتم إقرار أي منها حتى الآن. وبين تعقيدات قانونية وتأخيرات سياسية، يظل العمال أكبر المتضررين في الأزمة المستمرة في لبنان.