
إشبيلية، إسبانيا (أخبار إنمائية) — استؤنفت يوم الثلاثاء أعمال المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية (FfD4) في مدينة إشبيلية الإسبانية، وسط مشاركات رفيعة المستوى وإعلانات بارزة من قادة العالم ومؤسساته.
ويُعقد هذا المؤتمر الذي يُنظَّم مرة كل عقد من الزمن في وقت بالغ الأهمية، إذ يتعرض القادة لضغوط متزايدة لمكافحة الفقر، والتصدي لتغيّر المناخ، وإعادة إحياء الزخم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، التي باتت مهددة مع تبقّي خمس سنوات فقط على موعد إنجازها المحدد في عام 2030.
وقد افتتح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، جلسات المؤتمر أمس برسالة تحذيرية شديدة اللهجة، مؤكداً أن النظام العالمي يمرّ بأزمة عميقة. وقال إن الهدف من القمة هو "إصلاح النظام العالمي وإعادة تشغيله"، في وقت "تتآكل فيه الثقة، ويضعف التعاون متعدد الأطراف."
ومن أبرز نتائج المؤتمر حتى الآن، اعتماد ما عُرف بـ"التزام إشبيلية"، وهو إطار شامل يهدف إلى جمع أربعة تريليونات دولار سنويًا لدعم جهود التنمية وتقليص الفجوات الاقتصادية. ويتضمّن هذا الإطار خطوات لإصلاح النظام المالي العالمي، وتوسيع نطاق إعفاءات الديون، وتحويل موارد صندوق النقد الدولي إلى الدول ذات الدخل المنخفض، ورفع نسبة الجباية الضريبية إلى ما لا يقل عن 15% من الناتج المحلي الإجمالي.
ووصف غوتيريش هذا الاتفاق بأنه "وعد عالمي" لإصلاح أسس الدعم الموجهة للدول الأكثر احتياجًا.
دعا رئيس الوزراء الفلسطيني، الدكتور محمد مصطفى، إلى تمويل عادل للتنمية، وحثّ المجتمع الدولي على تعزيز الدعم للاقتصاد الفلسطيني.
كما شارك نائب رئيس الوزراء الفيتنامي، هو دوك فوك، في جلسات النقاش الرئيسية، داعيًا إلى تعزيز التعاون الدولي لسد الفجوات التمويلية.
أما زامبيا، فقد أطلقت نداءً لتجديد الجهود العالمية في تمويل التنمية، محذّرة من أن الوقت يوشك على النفاد لتحقيق أهداف 2030.
شاركت منظمات المجتمع المدني بفعالية في الفعاليات الجانبية للمؤتمر، داعية إلى اعتماد موازنات تراعي الفوارق بين الجنسين، وتعزيز إشراك الفئات المهمّشة في عمليات صنع القرار الخاصة بتمويل التنمية.
سجّل المؤتمر غيابًا لافتًا للولايات المتحدة، وهي الدولة التي لطالما كانت أكبر مانح للمساعدات على مستوى العالم. ورفضت إدارة الرئيس دونالد ترامب دعم خطة العمل التي جرى التفاوض عليها على مدى عام كامل، ما أثار انتقادات من عدة أطراف.
وقد أشار غوتيريش إلى غياب الدور الأميركي، بينما وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادًا مباشرًا إلى سياسات ترامب التجارية، واصفًا قرار الدخول في حرب تجارية بأنه "انحراف".
كما دعا ماكرون مؤسسات التمويل الإنمائي الدولية إلى التخلي عن تردّدها في استخدام ميزانياتها، وقال: "المصارف الإنمائية المتعددة الأطراف التي تسعى فقط للحفاظ على تصنيفها الائتماني (AAA) من دون استخدام أدوات الضمان، هي مخطئة. ينبغي لها أن تفعل المزيد باستخدام ميزانياتها."
وشدد غوتيريش على أن العالم بحاجة إلى إعادة نظر شاملة في نظامه المالي، داعيًا إلى إصلاحات تجعل الاقتراض أكثر سهولة للدول الفقيرة وتمنع الأزمات المالية من جذورها.
وقال: "الدول بحاجة — وتستحق — نظامًا يُخفّض من تكلفة الاقتراض، ويُتيح إعادة هيكلة الديون بعدل وفي الوقت المناسب، ويمنع حدوث أزمات ديون من الأساس."
كما تم طرح خطط لإنشاء سجل عالمي موحّد للديون، وتوسيع برامج مبادلة الديون، وإعادة النظر في نظم التصنيف الائتماني لتصبح أكثر عدالة تجاه الدول النامية.
أعلنت كل من فرنسا وإسبانيا وكينيا وبربادوس عن خطة مشتركة لفرض ضرائب على الطائرات الخاصة ودرجات السفر الفاخرة، في خطوة تهدف إلى تمويل العمل المناخي وتحميل الأثرياء مسؤولية أكبر.
في الوقت نفسه، نظّم ناشطون احتجاجًا في شوارع إشبيلية للمطالبة بعدالة ضريبية. وبرز خلال المسيرة مجسّم ضخم لرضيع يمثل إيلون ماسك وهو يحمل منشارًا، في إشارة رمزية إلى ضرورة أن يدفع الملوّثون الأثرياء نصيبهم العادل.
ويُتوقّع أن تستمر جلسات المؤتمر حتى يوم الخميس، مع المزيد من المفاوضات والإعلانات المرتقبة بشأن استراتيجيات التمويل والشراكات العالمية.