
صيدا، لبنان (أخبار إنمائية) — في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة، والتحديات المناخية، والضغوط الناتجة عن تزايد أعداد اللاجئين، أطلقت مدينة صيدا خطة تهدف إلى تعزيز قدرتها على الاستجابة للأزمات والنمو بطريقة أكثر استدامة.
وتُعدّ صيدا، ثالث أكبر مدينة في لبنان، موطناً لأكثر من 250,000 نسمة، من بينهم أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين والفلسطينيين. وتشكل هذه الضغوط عبئاً متزايداً على البنية التحتية والخدمات العامة في المدينة. وفي مواجهة هذه التحديات، تعمل البلدية حالياً بالشراكة مع جهات دولية على وضع استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز الصمود الحضري.
وقال طارق عسيران، رئيس مكتب برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة) في لبنان: «هناك غياب لمؤسسات التخطيط المناسبة والأطر التنظيمية، ونقص في البيانات، بالإضافة إلى غياب استراتيجيات وطنية أو سياسات محدثة».
وبدعم من شبكة المدن المتوسطية (ميدسيتيز)، ومركز الصمود التابع لموئل الأمم المتحدة، ومجلس مدينة برشلونة، أطلقت بلدية صيدا مشروع "بناء الصمود"، الذي يهدف إلى إعداد ملف صمود شامل للمدينة. وقد انطلق المشروع بورشة عمل تقنية امتدّت على مدار ثلاثة أيام، وجمعت مسؤولين محليين وخبراء حضريين وشركاء دوليين لتنسيق أدوات التخطيط وتحديد الأولويات المشتركة.
ويرتكز هذا المشروع على أداة تحديد ملامح الصمود الحضري (CRPT)، التي طوّرها موئل الأمم المتحدة لمساعدة المدن على تشخيص مكامن الضعف وبناء أنظمة حضرية أكثر شمولية واستقراراً.
وقال رئيس بلدية صيدا، الدكتور مصطفى محمد حجازي: «إنّ هذه الشراكة عالية الأثر بين مدينة برشلونة، وشبكة ميدسيتيز، وموئل الأمم المتحدة، تتجاوز الطابع الفني، فهي استثمار استراتيجي في صمود المدينة على المدى الطويل، وتمنحها القدرة على مواجهة المخاطر وتحويل التحديات إلى فرص».
تعاون محلّي ودولي
تواجه صيدا ضغوطاً متزايدة على مستوى الخدمات العامة والبنية التحتية والأنظمة المؤسسية، خاصة في ظل استضافتها لأعداد كبيرة من اللاجئين. ويهدف هذا المشروع إلى تمكين المدينة من الاستجابة بشكل أكثر فاعلية للصدمات الحالية والضغوط المستقبلية.
وخلال ورشة العمل، اجتمع رئيس البلدية، ومسؤول العلاقات الدولية في بلدية صيدا، وخبيران فنيّان في مجال الصمود الحضري، إلى جانب ممثلين عن "ميدسيتيز" وفريق "موئل الأمم المتحدة"، لمناقشة أبرز التحديات والصدمات والضغوط التي تواجه المدينة. وقد اتفقت الأطراف المشاركة على مجموعة من المؤشرات ومصادر البيانات والمنهجيات اللازمة لجمع المعلومات التي تدعم اتخاذ القرار في المستقبل.
كما ناقش الفريق آليات إشراك المزيد من أصحاب المصلحة من خلال ورش عمل مستقبلية تضمن تمثيلاً شاملاً لجميع القطاعات والفئات المجتمعية ضمن عملية التخطيط للصمود في صيدا.
بناء القدرات من خلال أداة CRPT
شهدت ورشة العمل تدريبات معمقة قدّمها خبراء موئل الأمم المتحدة حول منهجية أداة CRPT، والتي تساعد المدن على إجراء تقييم منظم لأربعة مجالات رئيسية: الاجتماعية، والبيئية، والاقتصادية، والمؤسسية.
وفي اليوم الثاني، عمل المشاركون على تحديد المؤشرات التفصيلية ضمن كل محور، وراجعوا مدى توفر البيانات ونقاط النقص، تمهيداً لتشكيل قاعدة معرفية لإجراء التشخيص الكامل لمواطن الضعف والقدرات.
وقد قدّم ممثلو بلدية صيدا عرضاً لآلية تقييم مخاطر الكوارث المعتمدة حالياً، والتي تدمج البيانات الرسمية مع المعرفة المجتمعية والتحقّق الميداني. ويهدف هذا النهج إلى صياغة توصيات عملية تستند إلى الأدلة وتراعي السياقين الوطني والمحلي.
وقال رئيس البلدية:
«في مثل هذه الحالات، غالباً ما نخسر وقتاً ثميناً بسبب غياب خطط عمل محدثة ومنظّمة. إنّ رسم خرائط المخاطر ضرورة لأي جهة فاعلة. علينا أن نفهم البيانات والتوقعات القائمة على السيناريوهات لكي نضع الأولويات، ونخطط بفعالية، ونتخذ قرارات مبنية على الأدلة».
نحو صيدا أكثر صموداً
خصص اليوم الثالث من الورشة لمناقشة سبل دمج مفهوم الصمود في أنظمة الحوكمة على المدى البعيد. وفي ختام الورشة، أعدّ المشاركون وثيقة «توصيات الإجراءات من أجل الصمود والاستدامة (RAR-S)»، والتي تشكل خارطة طريق تشمل الأهداف والخطوات المقترحة لتعزيز الصمود داخل هياكل التخطيط والإدارة المحلية.
كما جرى التطرّق إلى التحديات المستمرة، مثل محدودية الموارد، وضعف التنسيق، والفجوات المعرفية المؤسسية. وركّزت النقاشات على مجالات أساسية لتحسين الأداء، شملت: تعزيز قنوات الاتصال، وتوضيح الصلاحيات بين الجهات الفاعلة، وتطبيق منهجيات منظمة في استخدام البيانات.
الخطوات القادمة
تسعى صيدا حالياً إلى الانتهاء من إعداد ملف الصمود المُحدث الخاص بها بحلول نهاية عام 2025، وذلك بدعم فني متواصل من "ميدسيتيز"، و"موئل الأمم المتحدة"، و"مجلس مدينة برشلونة". وستستخدم البلدية الأدوات والقوالب التي توفرها أداة CRPT لإجراء تقييم شامل للمخاطر وبناء قاعدة مشتركة لاتخاذ قرارات مستقبلية مستنيرة.