بيروت (خاص إنمائية) - 15 تشرين الأول 2025

بعد سنوات من الانقطاع والدمار الذي خلّفه انفجار المرفأ والأزمات الاقتصادية المتتالية، استعادت أسواق بيروت نبضها من جديد. هذه الأسواق التي لطالما شكّلت قلب العاصمة التجاري والاجتماعي تعود اليوم لتؤكد أن بيروت، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على النهوض من الركام.

في هذا السياق، تحدّث المدير العام لأسواق بيروت والمدير التجاري العام في شركة سوليدير، أديب النقيب، إلى إنمائية عن رمزية إعادة الافتتاح، والتحديات التي واجهت الفريق، والخطط المستقبلية التي تنتظر هذا المشروع الذي يُعتبر من أبرز معالم وسط العاصمة.

"رسالة أمل وصمود وثقة بلبنان"

قال النقيب إن إعادة افتتاح أسواق بيروت اليوم هي قبل كل شيء رسالة أمل وصمود، ورسالة ثقة بلبنان وببيروت تحديدًا.
وأضاف: "أردنا أن نؤكد أن بيروت قادرةٌ على الحياة، وأنها تستعيد مكانتها كمنارة مشعّة في هذه المنطقة من العالم، وقادرة على النهوض مجددًا مهما مرّت بظروف صعبة".
وأوضح أن إعادة الافتتاح لا تقتصر على افتتاح مساحة تجارية فحسب، بل هي "إعادة فتح لقلب العاصمة النابض، المكان الذي كان وسيبقى رمزًا جامعًا يحمل بعدًا تاريخيًا وحضاريًا، ومركزًا يجمع اللبنانيين على العمل، والتجارة، والتفاعل الاجتماعي".

تحديات إعادة الإعمار

تحدّث النقيب عن أبرز الصعوبات التي واجهتهم خلال مرحلة التحضير، مشيرًا إلى أن التحديات كانت لوجستية في المقام الأول.
وقال: "المرحلة التحضيرية تطلبت مجهودًا كبيرًا لتأمين الموارد والمواد الأساسية من الخارج، سواء لأعمال البناء أو التجهيز الداخلي للمحال. واجهنا صعوبات في الشحن والحصول على البضائع من الموردين الدوليين نتيجة الوضع الاقتصادي وصعوبة التحويلات والنقل".
وأضاف أن الفريق تمكن، بفضل التعاون الوثيق بين إدارة الأسواق والمستأجرين والجهات المعنية، من تخطي هذه الصعوبات والالتزام بالمواعيد المحددة لتقديم افتتاح يليق بمدينة بيروت وصورتها.

وأشار إلى أن التحدي الأهم كان "إعادة الحياة إلى وسط العاصمة وجعل اللبنانيين يعودون إلى المكان الذي كانوا يلتقون فيه". وقال: "نفتخر اليوم بأننا نشهد النتائج على أرض الواقع، حيث عاد قلب بيروت ينبض بالحياة ويستعيد دوره كمركز للتواصل الاجتماعي والتجارة والثقافة".

تفاعل شعبي واسع وعودة الروح إلى الشوارع

وصف النقيب ردود الفعل بعد الافتتاح بأنها إيجابية للغاية ومؤثرة، قائلاً: "لمسنا فرح الناس واندفاعهم للعودة إلى شوارع الأسواق، كما لمسنا حماس أصحاب المحال الذين بذلوا جهودًا كبيرة لاستعادة نشاطهم".
وأشار إلى أن "عدد الحاضرين في اليوم الأول من الفعالية تخطّى خمسة عشر ألف زائر من لبنانيين ومغتربين وسياح عرب وأجانب"، مؤكدًا أن هذا التفاعل "دلّ على أن الناس كانت فعلًا تنتظر هذه اللحظة، لحظة عودة بيروت إلى الحياة والحركة مجددًا".

وأضاف أن الحدث حظي باهتمام إعلامي واسع أعطاه زخمًا خاصًا، وأكّد أن "بيروت ما زالت قادرة على جمع اللبنانيين حول رموزها الحيّة، بكل ما تمثّله من طاقة وأمل واستمرارية".

دعم الاقتصاد وتشجيع الاستثمار

عن الدور الاقتصادي للأسواق، أوضح النقيب أن أسواق بيروت كانت وما زالت رئة اقتصادية للعاصمة ومحرّكًا أساسيًا للحياة التجارية والسياحية.
وقال: "مع إعادة افتتاحها وعودة أكثر من 150 علامة تجارية لبنانية وعالمية، نُسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية والتجارية وخلق فرص عمل جديدة، كما نعيد الثقة إلى المستثمرين في لبنان".

وأضاف أن هذه الأسواق تشكّل "مساحة تلتقي فيها التجارة بالثقافة والترفيه"، لافتًا إلى أن الفعاليات الترفيهية والثقافية والموسيقية تنشّط السياحة الداخلية والخارجية وتجذب المستثمرين مجددًا إلى قلب بيروت، لتكون الأسواق بذلك محورًا للاقتصاد، والاستثمار، والحياة الاجتماعية في العاصمة.

خطط تطوير مستقبلية

كشف النقيب أن إعادة الافتتاح هي البداية فقط، مشيرًا إلى خطة تدريجية لإدخال محال جديدة خلال الأشهر المقبلة وتنشيط بعض المساحات، إلى جانب "تحسين تجربة الزوار من خلال التكنولوجيا والخدمات الذكية".
وأضاف: "نعمل أيضًا على إدخال علامات تجارية جديدة من مجالات مختلفة، كما يشمل المشروع Department Store في الناحية الشمالية للسوق، الذي سيكمل دور الأسواق كوجهة حضارية، وذلك بعد استكمال أعمال الترميم وافتتاحه خلال السنتين المقبلتين".

وأشار إلى أن الهدف هو أن تظل أسواق بيروت وجهة حضرية متكاملة تجمع بين التسوق، الترفيه، والفنون، لافتًا إلى التحضير لسلسلة فعاليات موسمية خلال فترة الأعياد "تجعل من وسط العاصمة نقطة جذب دائمة للعائلات والسياح على مدار العام".

شراكة مع أصحاب المحال لضمان الاستمرارية

وشدّد النقيب على أهمية الشراكة مع أصحاب المحال الصغيرة والكبيرة على حد سواء، موضحًا أن الإدارة "قدّمت تسهيلات وتشجيعات لتخفيف الأعباء وخلق بيئة عمل متوازنة تسمح للجميع بالاستمرار".
وقال: "نعتبر أن نجاح أي متجر هو جزء من نجاحنا الجماعي، لذلك نركّز على التعاون والترويج المشترك وتنظيم فعاليات تعود بالفائدة على جميع المستأجرين".
وختم بالقول: "هدفنا هو الاستمرارية، لا الاكتفاء بموسم افتتاح، ونعمل يدًا بيد لضمان أن تبقى الأسواق حيّة وفاعلة على المدى الطويل".

عودة أسواق بيروت اليوم لا تُختصر بافتتاح تجاري جديد، بل تمثل ولادة رمزية لقلب العاصمة من جديد، وتجسّد إرادة مدينة رفضت أن تُدفن تحت الركام. ففي كل شارع أعيد فتحه، وكل متجر أضاء نوافذه من جديد، رسالةٌ واضحة: بيروت لا تزال هنا، مدينة الحياة والتجدد والأمل.