
لبنان (خاص إنمائية) - 20 تشرين الأول 2025
يمتد الساحل الهادئ في عمشيت، ضمن قضاء جبيل اللبناني، ليشكّل جزءًا من الموائل الطبيعية لفقمة البحر الأبيض المتوسط، وهو نوع يُصنَّف حاليًا كـ"ضعيف (VU)" على القائمة الحمراء للأنواع المهددة بالانقراض الصادرة عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) ، وذلك بعد إعادة تقييمه في عام 2023.
ورغم انتقالها من فئة "مهددة بالانقراض" إلى "ضعيفة"، ما يعكس بعض التعافي، تبقى هذه الفقمة واحدة من أندر الثدييات البحرية في العالم، إذ يُقدَّر عددها العالمي بين 815 و997 فردًا فقط.
ومن بين الفقمات البارزة في المنطقة، تبرز فقمة "أرزة" التي وُلدت هذا الصيف في قبرص، لتجسد الأهمية البيئية المتزايدة للمواطن الساحلية اللبنانية في دعم هذا النوع النادر واستمراريته.
تهديدات البناء
يشكّل الساحل في عمشيت، لما يتمتع به من أهمية بيئية وبيولوجية فريدة، محور نزاع طويل حول مشروع بناء "فيلا" خاصة أقيمت مباشرة فوق الكهف الطبيعي الذي تأويه فقمة البحر الأبيض المتوسط. بدأت القضية في تشرين الثاني 2021، حين نجح السكان في إيقاف أعمال الحفر الأولية عبر احتجاجات شعبية، ما أدى إلى "تعليق مؤقت للبناء".
لكن في حزيران 2022، استؤنفت الأعمال بشكل مثير للجدل، الأمر الذي أثار مجددًا مخاوف منظمة Terre-Liban بشأن احتمال تدمير النظام البيئي للكهف بشكل لا يمكن إصلاحه.
وفي آذار 2024، تمكّن الناشطون من تجميد المشروع مرة أخرى بعد استئناف قُدّم إلى مجلس شورى الدولة، غير أنّ هذا الأمل لم يدم طويلًا، إذ رُفض الاستئناف في أيار 2025 لأسباب إجرائية، ما أتاح للمطورين استئناف أعمال البناء مجددًا على الرغم من التحذيرات البيئية المتكرّرة.
النشاط المدني واستجابة البلدية
بعد استئناف أعمال الحفر، زاد الضغط من قبل نشطاء البيئة ومنظمة Terre-Liban على الحكومة المحلية، مقدمين للمجلس البلدي المنتخب حديثًا قائمة بانتهاكات التصاريح المزعومة. أقر جوزاف خوري، رئيس مجلس عمشيت، بالمخاطر البيئية لكنه شدد على السلطة المحدودة للبلدية، مشيرًا إلى أن جميع تصاريح البناء الأولية قد صدرت قانونيًا تحت إدارات سابقة. كما أثيرت مخاوف بشأن موافقة وزارة البيئة السابقة، التي طالبت بخطة إدارة بيئية محدودة فقط بدلاً من تقييم الأثر البيئي الشامل.
تدخل الحكومة
وفي تطور مهم، تدخلت وزيرة البيئة تمارا زين بعد تجدد الشكاوى والقلق الشعبي. في 18 تشرين الاول 2025، أرسلت الوزارة فريقًا علميًا لتفقد الموقع. وفي 20 تشرين الاول 2025، أعلنت الوزارة أن التقرير الفني النهائي قيد الانتظار وأنها ستتواصل مع النائب العام لوقف البناء فورًا وفرض إجراء تقييم أثر بيئي كامل. ويعكس هذا الإجراء الحاسم، المتأثر بحالة الفقمة "أرزة" والمخاوف البيئية الأوسع، التوازن الدقيق بين التنمية الساحلية والحاجة إلى حماية كنوز لبنان البيئية الأكثر ضعفًا.
ومع تزايد ضغوط البناء على طول الساحل اللبناني، يبقى مصير كهوف عمشيت غير مؤكد.
تُذكّرنا قصة "أرزة"، وأنواعها الهشة بالتوازن الدقيق بين التنمية والحفاظ على البيئة. ومع تدخل وزارة البيئة، يطرح السؤال اليوم: هل سيتمكن لبنان من إيجاد طريقة لحماية كنوزه الطبيعية قبل فوات الأوان؟
