
لبنان (خاص إنمائية) - 27 أكتوبر 2025
من الآثار القديمة في بعلبك إلى المقاهي الحيوية في مار مخايل، لطالما شكّل لبنان مثالًا حيًا على التقاء التراث العريق بالحياة العصرية. كان البلد في السابق يُعرف كمركز رئيسي للمسافرين الباحثين عن الثقافة والتاريخ والمأكولات، وهو اليوم يشهد نهضة ملحوظة تُحدث تأثيرًا كبيرًا في قطاع المطاعم، الذي يشهد ازديادًا في الإقبال وعودة الاهتمام الدولي.
نهضة المشهد المطعمي
خلال صيف 2025، شهد لبنان انتعاشًا ملحوظًا في قطاع السياحة، وإن كان محدودًا نسبيًا، مما منح لمحة عن التعافي بعد عدة سنوات صعبة. ففي يوليو 2025 وحده، سجل مطار بيروت–الحريري الدولي إجمالي 873,095 مسافرًا، بزيادة قدرها 16.25% مقارنةً بيوليو 2024، ما يعكس تزايد الاهتمام بلبنان كوجهة صيفية.
وقال خالد نزهة، نائب رئيس نقابة المطاعم والمقاهي والنوادي الليلية, لـ"إنمائية" أن غالبية الزوار في 2025 كانوا من الجالية اللبنانية العائدة لقضاء لقضاء العطلة الصيفية، في حين جاء عدد محدود فقط من السياح من الخليج والأمريكيتين وأوروبا، وهو ما يبرز التحديات المستمرة في جذب السياح الدوليين الجدد.
لكن العودة الجزئية للسياح، إلى جانب عوامل مثل تزايد الإقبال المحلي والدولي، أدت إلى انتعاش قطاع المطاعم في لبنان.
وبحسب LBCI، كان حوالي 150,000 شخص يعملون في هذا القطاع قبل عام 2019، لكن مع تفاقم الأزمة انخفض هذا الرقم إلى 60,000.
وبحلول أوائل عام 2025، بدأت مرحلة التعافي، وارتفع عدد العاملين إلى حوالي 100,000. ويُساهم القطاع حاليًا بنحو 20 إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
تقوم المنشآت اللبنانية الصغيرة والمتوسطة بإدخال مفاهيم جديدة في مختلف أنحاء البلاد، من ابتكارات عصرية لأطباق تقليدية إلى تجارب طعام فريدة، ما يجذب السكان المحليين والسياح على حد سواء. وتعد هذه النهضة جزءًا من عودة أوسع للمطاعم اللبنانية المملوكة محليًا، حيث بدأ العديد منها بالتوسع دوليًا أو السعي وراء مشاريع عالمية.
على الصعيد العالمي، افتتح مقهى أم شريف، المعروف بنهجه المبتكر في المطبخ اللبناني التقليدي، فرعه الثاني في الخبر بالمملكة العربية السعودية في يوليو 2025.
وقال خالد نزهة لـ"إنمائية": "عملت النقابة على رفع المعايير حتى تتمكن الأعمال من التوسع عالميًا وكسب الاعتراف والثقة الدوليين. ركزنا على سلامة الغذاء، والقوانين والأنظمة، وتنفيذ المراسيم الرسمية."
وفي الوقت نفسه، يجذب المشهد الطهوي المتطور في لبنان الاستثمارات الدولية، مع افتتاح عدة مطاعم ومقاهي عالمية في البلاد خلال عام 2025، بما في ذلك السوق والمطعم الإيطالي "Eataly" وأول مقهى لعلامة "Zara" في بيروت.
المبادرات كمحرّك للنمو
تشمل المبادرات الرامية إلى إحياء قطاع السياحة بشكل عام، وقطاع المطاعم بشكل خاص، المهرجانات والفعاليات التي تبرز القدرات اللبنانية في الطهي والضيافة. على سبيل المثال، أقيم معرض "HORECA لبنان 2025" من 8 إلى 11 نيسان في ساحة السي سايد في بيروت، والذي مثل الدورة التاسعة والعشرين لأكبر فعالية تجارية في مجال الضيافة وخدمات الطعام في البلاد. جذب المعرض أكثر من 24,000 زائر و350 عارضًا، وعرض أحدث الاتجاهات والتقنيات والابتكارات التي تشكل صناعة الضيافة اللبنانية.
على مدار عام 2025، احتفلت عدة مهرجانات إقليمية بالتقاليد الطهوية الغنية في لبنان. على سبيل المثال، قدم مهرجان بيروت للطبخ 2025 عرضًا لأبرز الطهاة في البلاد، والعلامات التجارية الرائدة في مجال الطعام والشراب، والمنتجات الحرفية. وقد وفر الحدث منصة للابتكار الطهوي مع الحفاظ على الثقافة الغذائية المتنوعة والحيوية في لبنان.
كما يتم تشكيل المشهد على يد الجيل القادم من الطهاة وأصحاب المطاعم. سلطت مسابقة "Uni Chefs' Challenge 2025"، التي نظمتها الجامعة الأميركية في لبنان (LAU)، الضوء على الإبداع والمهارات التقنية للطهاة الشباب، مظهرةً إمكانياتهم في إعادة تعريف مستقبل الطهي اللبناني.
وقال نزهة: "لقد تعاونّا أيضًا مع البلديات وأكثر من 4 جامعة تقدّم برامج في إدارة الفنادق والضيافة، مثل الجامعة الأميركية في لبنان، لضمان توفير مستمر للمهنيين المدربين. ويعمل معنا حاليًا نحو 50,000 طالب، مساهمين في نمو وجودة القطاع."
تؤكد هذه التطورات على التطور الديناميكي للمشهد الطهوي في لبنان، حيث يلتقي التقليد بالابتكار، ويقود الشباب الطريق في إعادة تعريف تجربة تناول الطعام.
المسار القادم
يُظهر قطاعا الطهي والسياحة في لبنان مؤشرات واعدة على النمو، مستفيدين من الانتعاش الذي شهدته البلاد في عام 2025. مع تقديم الطهاة الشباب لمفاهيم مبتكرة وتوسع المطاعم اللبنانية المملوكة محليًا ودوليًا، يشهد القطاع تعزيزًا تدريجيًا لقدراته. ومع ذلك، تظل الأنظار مركزة على الوضع الأمني في البلاد والموسم السياحي القادم، الذي سيلعب دورًا رئيسيًا في تحديد حجم الوافدين من السياح وأداء المطاعم خلال الأشهر المقبلة.





