عالم (خاص انمائية) – 27 تشرين الأول 2025

يتحوّل النقاش العالمي حول المناخ بسرعة، ومع اقتراب قادة العالم من القمة الحاسمة COP30 الشهر المقبل في البرازيل، تسلّط تقارير جديدة الضوء على ضرورة النظر إلى ما هو أبعد من ارتفاع درجات الحرارة والتركيز على خطر فوري وقاتل: الهواء الذي نتنفسه.

يُعدّ مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) الهيئة الرئيسية لصنع القرار التابعة للأمم المتحدة بشأن تغيّر المناخ، ومن المتوقع أن يضع هذا الاجتماع المقبل اللمسات الأخيرة على خطط خفض انبعاثات الكربون عالميًا. ومع ذلك، تشير البيانات الجديدة إلى أن معالجة أزمة تلوث الهواء لا تقل أهمية عن إبطاء الاحتباس الحراري.

وتأتي هذه النتائج المقلقة من تقرير حالة الهواء العالمي لعام 2025، الذي أصدره معهد التأثيرات الصحية (HEI) بالشراكة مع معهد القياسات والتقييمات الصحية (IHME). وتؤكد هذه الدراسة أن تلوث الهواء أصبح اليوم عامل الخطر البيئي الأول للوفاة في جميع أنحاء العالم.

القاتل الخفي وتكلفته البشرية

الرسالة الرئيسية للتقرير بسيطة ومقلقة في الوقت نفسه: تلوث الهواء قاتل خفي يحصد ملايين الأرواح سنويًا. ويشير التقرير إلى أنه في عام 2023، ساهم تلوث الهواء في وفاة 7.9 ملايين شخص حول العالم. ولإدراك حجم هذه الكارثة، فإن هذا الرقم يعني أن الهواء الملوث مسؤول عن نحو تسع من كل عشر وفيات مرتبطة بعوامل بيئية.

ولا يقتصر تأثير التلوث على التسبب في مشاكل الجهاز التنفسي فحسب، بل إنه يهاجم بصمت أهم أجهزة الجسم الحيوية. والأكثر إثارة للدهشة أن 86% من جميع الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء عالميًا، والتي تُقدّر بنحو 6.8 ملايين شخص، سببها الأمراض غير المعدية، وهي أمراض مزمنة طويلة الأمد مثل أمراض القلب والسكتات الدماغية والسكري وسرطان الرئة. وهذا يدل على أن أضرار الهواء الملوث تمتد إلى ما هو أبعد من الرئتين لتشمل الجهاز الدوري بأكمله.

ومما يزيد الأمر قلقًا أن تقرير حالة الهواء العالمي لعام 2025 تتبّع للمرة الأولى العلاقة بين تلوث الهواء وصحة الدماغ. وكانت النتائج صادمة: يرتبط تلوث الهواء الآن بأكثر من 625 ألف حالة وفاة سنويًا بسبب الخرف، بما في ذلك أمراض مثل الزهايمر. وتؤكد هذه البيانات الجديدة أن الهواء الملوث يضر بالدماغ في جميع الأعمار، مما ينذر بأزمة صحية عامة طويلة الأمد.

الجسيمات الدقيقة… العدو الأخطر

المصدر الرئيسي لهذه المشاكل الصحية الجسيمة هو تلوث الجسيمات الدقيقة (PM2.5) ، وهي جزيئات صغيرة وخطيرة تنتج عن حرق الوقود الأحفوري في السيارات ومحطات الطاقة والمصانع. هذه الجسيمات صغيرة بما يكفي لدخول أعمق أجزاء الرئتين وحتى المرور إلى مجرى الدم، حيث تُحدث أشد الأضرار.

بالإضافة إلى ذلك، لا يزال التلوث الناتج عن حرق الوقود الصلب داخل المنازل للطهي أو التدفئة مسؤولًا عن ملايين الوفيات، وخاصة بين الأطفال الصغار وكبار السن في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

تهديد خطير لشمال إفريقيا والشرق الأوسط

يسلّط التقرير الضوء على مناطق تعاني بشكل حاد من تلوث الهواء، وتُصنَّف المنطقة العربية من بين أكثر المناطق تضررًا.

فقد أظهرت البيانات أن شمال إفريقيا والشرق الأوسط من أكثر المناطق تلوثًا في العالم، حيث يتعرض السكان هناك لأعلى مستويات من الجسيمات الدقيقة (PM2.5). وتضع هذه المستويات المرتفعة من التلوث المنطقة إلى جانب جنوب آسيا وأجزاء من إفريقيا ضمن أكثر الأماكن خطورة على صعيد جودة الهواء.

ويُعزى ذلك إلى مزيج من الانبعاثات الصناعية، وحركة المرور الكثيفة، والعوامل الطبيعية مثل الغبار والعواصف الرملية التي تولّد طبقة ضبابية ملوّثة ودائمة.

كما يحذّر التقرير من خطر متزايد ناجم عن تلوث الأوزون في المنطقة، إذ إن الأوزون على مستوى سطح الأرض غاز ضار يتكوّن عندما تتفاعل الملوّثات الناتجة عن المركبات والصناعة مع أشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة. ويرتبط هذا الغاز بـ تلف الرئتين وصعوبات التنفس. وتشير البيانات إلى أن دول الخليج مثل قطر والبحرين من بين أعلى خمس دول في العالم من حيث مستويات التعرض لهذا الغاز الضار، وهو ما يثير قلقًا بالغًا نظرًا لحرارة المنطقة الشديدة.

ويقدّم تقرير حالة الهواء العالمي لعام 2025 تحذيرًا صارخًا للمجتمع الدولي الذي سيجتمع في قمة COP30.

ويشدّد على أن مكافحة تلوث الهواء خاصة في المناطق الأكثر تضررًا مثل الشرق الأوسط – يجب أن تحظى بالأولوية نفسها التي تُمنح لأزمة المناخ.