
بيروت (خاص انمائية) – 31 تشرين الأول 2025
تمثل الندوب الجراحية بالنسبة للنساء اللواتي خضن تجربة سرطان الثدي وأجرين عملية استئصال الثدي تذكيرًا يوميًا بالتحدي الذي واجهنه.
وفي "استوديو" هادئ في بيروت، تقدم رسامة الوشم جوا أنطون خطوة نحو الشفاء: وشم ثلاثي الأبعاد واقعي للحلمة والهالة، إضافةً إلى تغطية للندوب. وقالت أنطون لإنمائية: "هذا ليس مجرد وشم، بل هو فعل من أفعال الاستعادة والتمكين".
من تجربة شخصية إلى مهمة إنسانية
بدأت مسيرة أنطون بتجربة شخصية، حين خضعت والدتها للفحوصات الخاصة بسرطان الثدي، ما دفعها للتعرف على المرض وتأثيراته النفسية والجسدية. وعلى الرغم من أن نتائج الفحوصات كانت سلبية، إلا أن التجربة أشعلت لديها عزيمة لمساعدة غيرها من النساء اللواتي يمررن بنفس التجربة.
وأضافت أنطون: "بدأت أتعلم عن سرطان الثدي لأنني لم أكن أعرف عنه الكثير سابقًا. وشعرت أن عليّ مساعدة والدتي، ومع مرور الوقت تطور ذلك إلى رغبة حقيقية في مساعدة كل امرأة هذا المرض. وعندما أقدم هذه الخدمة، أشعر أنني أقدم شيئًا له معنى".
فتحولت هذه التجربة الشخصية إلى مهمة مهنية، فانتقلت أعمالها من الوشم التقليدي إلى أعمال فنية لاستعادة الندوب الجراحية وتحويلها إلى رمز قوة وصمود، مع التركيز على الدعم النفسي للزبائن. كما أن تقديم هذه الخدمة المجانية له أهمية خاصة في لبنان، حيث تشكل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار مستلزمات الوشم المستوردة عائقًا أمام الكثيرين.
وتقول أنطون: "الوضع الاقتصادي هنا صعب، ومعظم مستلزمات الوشم مستوردة، ما يجعلها مكلفة. لكني محظوظة لأنني أستطيع تقديم المساعدة، وهذا يمنح عملي قيمة حقيقية".
الثقة بالجسد والشعور بالأنوثة
بالنسبة للعديد من الناجيات، يمثل وشم الحلمة والهالة الخطوة الأخيرة في إعادة بناء الثقة بالجسد والشعور بالأنوثة الكاملة. وغالبًا ما تنتظر الناجيات من ستة أشهر إلى سنة بعد الجراحة والعلاج الكيميائي، وموافقة الطبيب، قبل الخضوع للوشم.
وتشير أنطون الى أن "هذه الخطوة تأتي بعد انتهاء عمل الطبيب. فالجسم يحمل ندوبًا، وليس كما كان سابقًا. لذلك علينا العمل بعناية لضمان استقرار الحبر بشكل طبيعي وجمالي".
وعلى الرغم من خضوعها لدورات تعليمية عبر الإنترنت، تؤكد أنطون أن الأساسيات يمكن تعلمها بالممارسة والبحث. وتنصح الناجيات بعدم تأجيل العملية: "غالبًا لا تكون مؤلمة، لكن كلما طالت فترة الانتظار بعد الشفاء، قد تشعر المرأة ببعض الانزعاج. لذلك أنصح بإجرائها بعد فترة قصيرة من الشفاء، لتكون أسهل وأكثر راحة".
أما بالنسبة لمن يختار التصاميم الفنية، فتتحول الندوب إلى رموز شخصية للبقاء والانتصار، ويصبح الوشم جزءًا من عملية الشفاء النفسي والعاطفي.
تحدي النظرة التقليدية للوشم
يساهم عمل أنطون في تحدي النظرة التقليدية للوشم، خصوصًا في الشرق الأوسط، حيث غالبًا ما يرتبط الوشم بالوصم الاجتماعي.
وقالت: "من البداية، أردت أن أضع الوشم في مساحة راقية وذات معنى. العمل مع الناجيات غيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الوشم. فهو لم يعد مجرد زينة، بل وسيلة للشفاء واستعادة السيطرة على الجسد".
وحتى منظور العائلات تغيّر، فتضيف أنطون: "كانت والدتي لا تحب الوشم وتنتقد من لديهم وشم. لكن عندما شاهدت ما أقوم به مع الناجيات، رأت ردود الفعل وعلّقت: "هذا جميل حقًا!"، وتغيرت نظرتها بالكامل.
كما شاركتنا أنطون ردود فعل بعض العملاء قائلة: "عندما يرى الشخص صورته في المرآة لأول مرة بعد الوشم… أشعر في تلك اللحظة بأن عملي يحمل قيمة حقيقية ويلمس قلبه".
إلهام عالمي
تأمل أنطون في توسيع نطاق عملها ليصل إلى عدد أكبر من النساء، ولإلهام فنانين آخرين لتقديم خدمات مماثلة.
وقالت: "رأيت صديقة لي في فرنسا وألهمتها، والآن تقدم وشم الهالة مجانًا. مع العلم أن في أوروبا، هذا النوع من العمل التطوعي نادر".
وتشجع أنطون زملاءها في مجال الوشم على المساهمة، حتى بأسعار مخفضة، مع الحفاظ على جودة العمل المهني.
ووجهت أنطون رسالة خاصة الى الناجيات، قائلة: "إذا انتهيتِ من العلاج، لماذا الانتظار؟ ابدئي باستشارة، وكوني على ثقة أنها ستغير حياتك تمامًا".
وتطمئن النساء أيضًا بشأن التكلفة، قائلة: "لا تدعي الأسعار عائقًا أمامك".
أنطون تمنح الناجيات أكثر من مجرد وشم، فهي تعيد للنساء ثقتهن بأنفسهن، وتغرس فيهن حب الذات، وتستعيد لديهن شعورهن بالكمال، خطوة تلو الأخرى...






