
لبنان - (خاص إنمائية) 6 تشرين الثاني 2025
يُعدّ سهل البقاع اللبناني منذ زمن طويل مركزًا رئيسيًا لزراعة الحشيش، ويشكل صميم جدل مستمر منذ عقود بين الحاجة الاقتصادية والإصلاح القانوني. بالنسبة للعديد من المزارعين، لم يكن الحشيش مجرد محصول، بل كان مصدر رزق وحياة، يُزرع بصمت في ظل غياب القوانين واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي.
قانون على الورق
في عام 2020، أقرّ البرلمان اللبناني القانون رقم 178، الذي يشرّع زراعة الحشيش للأغراض الطبية والصناعية. وقد اعتُبر هذا القرار نقطة تحول، من شأنه فتح آفاق اقتصادية جديدة وجذب الاستثمارات الدولية.
ومع ذلك، خلال السنوات التالية، تعثرت عملية التنفيذ. وحتى بعد التشريع، واصلت السلطات حملات المداهمة على المزارع لمنع استخدام الحشيش في إنتاج المخدرات غير القانونية.
ورغم تراجع الزراعة بسبب الحملات الأمنية ومداهمات مصانع المخدرات، ما زالت حوالي 450 هكتاراً في سفوح جرود الهرمل في غرب لبنان مغطاة بالنباتات، وفقاً لما ذكرته الجزيرة.
وقد ترك غياب إطار تنظيمي فعال معظم الإنتاج خارج القانون، وتلاشت وعود الإصلاح وسط حالة الاضطراب السياسي والاقتصادي الأوسع في لبنان.
خطوات نحو التنظيم
في 2025، أعلنت وزارة الزراعة عن إجراءات عملية لتفعيل القانون العالق منذ سنوات، بدءاً بإنشاء هيئة تنظيمية تتولى الإشراف على زراعة الحشيش وإنتاجه وتسويقه.
وقد شكّل تأسيس الهيئة الوطنية لتنظيم زراعة الحشيش، الذي أقرّه مجلس الوزراء في يوليو 2025، خطوة طال انتظارها لتنظيم القطاع وإدخاله ضمن إشراف الدولة.
وللمئات من المزارعين في البقاع، مثل هذا التحرك بارقة أمل وفرصة للانتقال من تجارة غير قانونية إلى صناعة مشروعة.
قال داني فاضل، رئيس الهيئة الوطنية لتنظيم زراعة الحشيش، في حديث لـ "إنمائية",“تنظيم زراعة الحشيش جاء بعد سنوات من المطالب من مزارعي البقاع لتقنينه كما فعلت العديد من الدول حول العالم."
"لا ينبغي أن يضطر شخص من البقاع للبحث عن عمل في بيروت بينما تنمو هذه النبتة طبيعيًا في مناخنا وتربتنا. وقد أثبتت الاختبارات أن منتجاتنا المحلية تضاهي المعايير العالمية من حيث الجودة." قال فاضل.
المنصة الرقمية
لتعزيز الجهود الرامية لضمان الجودة ومنع الاستخدام غير القانوني وتنظيم الصناعة، تعمل الهيئة الوطنية على تطوير منصة رقمية مخصصة.
أضاف فاضل: “نحن نطور منصة لا تكلف الحكومة شيئاً. ستتيح للمزارعين تقديم طلبات للحصول على تصاريح الزراعة، وستكون حلقة وصل بين الهيئة والمزارعين والشركات الدوائية.”
وستسهّل المنصة أيضاً بيع محصول الحشيش للشركات الدوائية المرخصة، مع ضمان تتبع كامل من الزراعة إلى التوزيع.
وتابع فاضل: “ستعمل هذه المنصة أيضًا كشبكة أمان لمساعدة المزارعين على الالتزام بالمعايير الدولية، بما في ذلك اختبارات المياه والتربة والمنتجات.”
الرقابة والامتثال
بينما تشكل المنصة خطوة مهمة نحو التنظيم، يبقى القلق العام قائمًا حول قدرة الدولة على الحد من الزراعة غير القانونية ومعاقبة المخالفين.
قال فاضل: “هناك عدة طرق لمراقبة الزراعة، بما في ذلك التنسيق مع القوى الأمنية والتفتيش الدوري من قبل وزارة الزراعة أو وزارة الصناعة أو البلديات. كما يمكن استخدام التكنولوجيا المتقدمة مثل الطائرات المسيرة أو الصور الفضائية. هذا سيمكننا من اكتشاف ما إذا كان المحصول يُباع بشكل غير قانوني أو إذا تجاوز المزارع المساحة المسموح بها.”
فرصة اقتصادية محتملة
في بلد يعاني من انهيار اقتصادي، وارتفاع البطالة، وتراجع إيرادات الدولة، يمكن أن يمثل الحشيش مصدر نمو مستدام وغير مستغل.
ووفقاً لـ LBCI، قدّر وزير الزراعة نزار حاني أن التنظيم الصحيح وتشريع زراعة الحشيش يمكن أن يدرّ على الحكومة اللبنانية ما بين 1 و3 مليارات دولار سنوياً.
إلى جانب الإيرادات الحكومية، يوفر الحشيش فرصًا للصناعات الدوائية المحلية والأسواق التصديرية. ومن خلال إنشاء سلسلة توريد منظمة، يمكن للبنان ضمان استفادة المزارعين مباشرة من محاصيلهم ودعم تطوير قطاع صناعي جديد.
وقال فاضل: “ينبغي على المنشآت اللبنانية شراء المحصول بأسعار عادلة من المزارعين. نحن نعمل أيضاً على آلية لإدارة التصدير، بناءً على أسعار محددة عبر المنصة، لضمان استفادة كل من المزارعين والدولة من نظام شفاف ومنضبط.”
وأشار خبراء من "The Policy Initiative" إلى أن القطاع المنظم للحشيش، إذا تم تنفيذه بشكل فعّال، يمكن أن يوفر دخلًا ثابتًا للمجتمعات الريفية، ويقلل الاعتماد على الزراعة غير القانونية، ويجذب الاستثمارات الأجنبية، مما قد يجعل لبنان لاعباً رئيسياً في سوق الحشيش الطبي والصناعي الإقليمي.
الطريق أمام لبنان
يعكس مسار لبنان نحو صناعة حشيش منظمة فرصًا وتحديات على حد سواء. بينما تعد القوانين الجديدة والهيئات التنظيمية والمنصات الرقمية بالرقابة والشفافية والفوائد الاقتصادية، فإن النجاح يعتمد على قدرة الحكومة على تطبيق القوانين، وحماية المزارعين الصغار، وضمان نمو القطاع بشكل مستدام. بالنسبة لوادي البقاع، قد يتحول الحشيش أخيرًا من اقتصاد مظلل إلى محرك شرعي للنمو, لكن ذلك لن يحدث إلا إذا تزامن التنظيم مع التنفيذ الفعلي.