لطالما جسدت مدن لبنان، من بيروت إلى طرابلس وصور، القدرة على الصمود.
لطالما جسدت مدن لبنان، من بيروت إلى طرابلس وصور، القدرة على الصمود.

لبنان (خاص إنمائية) – 8 تشرين الثاني 2025

مع اقتراب الاحتفال باليوم العالمي للتخطيط العمراني في 8 تشرين الثاني، اليوم الذي يُبرز دور التخطيط في بناء مجتمعات مستدامة وصالحة للعيش، تبدو المدن اللبنانية في حالة من التحدي المستمر بين الأزمات والقدرة على الصمود، متأثرة بتراكمات عقود من الركود السياسي وتداعيات الانهيار الاقتصادي والبيئي والسياسي المتصاعد.

وبحسب البنك الدولي، يعيش نحو 89.6٪ من اللبنانيين في المناطق الحضرية، وهو من أعلى المعدلات في المنطقة. ويضع هذا التركز السكاني الهائل ضغوطًا كبيرة على البنية التحتية الهشة أصلاً، من شبكات النقل إلى شبكات المياه.

وأسفرت تداعيات الحرب الأخيرة بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2024 عن أضرار مباشرة تُقدَّر بنحو 7.2 مليارات دولار، فيما تصل احتياجات إعادة الإعمار والتعافي إلى نحو 11 مليار دولار.

ويطرح الواقع الحالي تحديًا كبيرًا أمام لبنان: كيف يمكنه تحويل الاستجابة الفورية للأزمات إلى رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة البناء والتنمية المستدامة؟

ليس مجرد مناسبة رمزية

في هذا السياق، يؤكد جاد جاري، خبير التحليل الحضري والتنمية، في حديث خاص لإنمائية، أن "المدن ليست مجرد أماكن نعيش فيها، بل هي فضاءات ديناميكية نتفاعل معها ونشكلها كما تشكلنا. ومن هنا فإن فهم كيفية تطورها وسبل إدارتها يُعد أمرًا جوهريًا."

ويشير جاري إلى أن يوم العمران العالمي ليس مجرد مناسبة رمزية، بل تذكير بأن المدن تعكس قدرة المجتمعات على التكيف والتجدد. ففي لبنان وكافة دول الجنوب العالمي، لا يقتصر التطوير الحضري على التوسع المادي فحسب، بل يشمل صيانة الموارد وتجديد البنية التحتية وتعزيز الاستدامة. "فالغاية الأساسية هي إقامة مدن توفر لسكانها حياة أفضل، وتحقق لهم جودة معيشية ترتقي إلى تطلعاتهم".

الخبرات الفنية موجودة.. والسياسات هي العقبة

تظل الأطر الحضرية والبيئية في لبنان عاجزة عن مواجهة تحديات التغير المناخي. ويقول جاري: "المشكلة تكمن في التعامل مع المناخ كعامل ثابت وليس ديناميكيًا. ويجب أن تدمج جميع القطاعات – المياه، الطاقة، البنية التحتية – اعتبارات التغير المناخي ضمن سياساتها."

ويضيف: "لبنان يمتلك الخبرات الفنية، لكن المشكلة تكمن في تطوير السياسات والاستراتيجيات الشاملة."

ولا يزال المخطط الوطني الشامل للأراضي اللبنانية قديمًا، بينما تتبنى دول أخرى نماذج حديثة تركز على الاستدامة، المرونة، التنقل، والبنية الخضراء. ويؤكد جاري على ضرورة اللامركزية وتمكين البلديات من العمل باستقلالية مالية ومؤسسية. "فبدون إصلاحات، سيظل التخطيط دائمًا رد فعل للأحداث وليس استباقيًا."

الشباب كمحرك للتغيير الحضري

يشدد جاري على أن التحول الحضري لا يمكن أن يحدث دون إشراك الشباب: "هناك حاجة لتطوير التعليم ليتمكن الشباب من فهم التخطيط الحضري وكيفية التأثير فيه".

ويدعو إلى إدراج محو الأمية الحضرية في المناهج المدرسية، إلى جانب إنشاء منصات للمشاركة المدنية عبر البلديات ومنظمات الشباب. "يجب أن ننتقل من رؤية الشباب كمراقبين سلبيين إلى شركاء نشطين في صنع القرار الحضري."

مع عيش نحو تسعة من كل عشرة لبنانيين في المناطق الحضرية، فإن إشراك الشباب ليس خيارًا بل ضرورة لضمان أن تعكس المدن تطلعات من سيرثونها.

من الاستجابة للأزمة إلى الرؤية الاستراتيجية

يشير جاري إلى أن الرؤية الحضرية الجديدة يجب أن تنظر إلى التحديات كحلقة مترابطة، لا كقضايا منفصلة. "إدارة النفايات، النقل، والبنية التحتية تشكل دائرة متكاملة يجب أن تتطور ضمن إطار التنمية المستدامة."

ويضيف: "العائق الرئيسي أمام التقدم في لبنان ليس نقص الخبرة الفنية، بل غياب السياسات المتسقة والحاجة إلى إعادة هيكلة المؤسسات السياسية."

 دعوة للتجديد الحضري

لطالما جسدت مدن لبنان، من بيروت إلى طرابلس وصور، القدرة على الصمود. ومع ذلك، فإن المرونة وحدها لا تكفي لضمان استدامتها. يشكل يوم العمران العالمي مناسبة لتذكير الجميع بضرورة تجاوز الحلول القصيرة المدى، والانتقال إلى تخطيط طويل الأجل يركز على الناس، الاستدامة، والعدالة الاجتماعية.

وفي الختام، لن يقوم التجديد الحضري في لبنان على مجرد إعادة بناء ما فقد، بل على إعادة صياغة الطريقة التي تعمل بها المدن على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. فالمدن مرآة المجتمعات التي تبنيها، وما نختاره اليوم في تصميمها وتخطيطها سيحدد جودة حياة الأجيال القادمة ومستوى استدامتها.