رؤية لنقل مستدام في لبنان تُظهر حافلة كهربائية، وركّاب درّاجات، ومشاة على طول طريق ساحلي هادئ تحيط به المساحات الخضراء.
رؤية لنقل مستدام في لبنان تُظهر حافلة كهربائية، وركّاب درّاجات، ومشاة على طول طريق ساحلي هادئ تحيط به المساحات الخضراء.

لبنان (خاص إنمائية ) - 26 تشرين الثاني 2025

أصبح الازدحام المروري المستمر، والطرق المغمورة بالمياه، والأرصفة المسدودة، ووقوف السيارات الفوضوي تحوّل المدن اللبنانية إلى عقبات يومية بدلاً من أن تكون مساحات للناس. بالنسبة للسكان، أصبح التنقل يستهلك الوقت والمال والصبر، مع تأثير كبير على الصحة والبيئة.

يُمثل قطاع النقل الآن ما يقرب من ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة في لبنان (32.5٪ في عام 2022، أي 6,662 غيغاغرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون). لكن المشكلة تتجاوز الانبعاثات: فالتنقل يؤثر على الإنتاجية الاقتصادية، والشمول الاجتماعي، والسلامة العامة، وتصميم المدن نفسها.

الشوارع التي تهيمن عليها السيارات تترك مساحة قليلة للمشاة وراكبي الدراجات والأشخاص ذوي الإعاقة، مما يحوّل الأماكن العامة إلى عبء بدلاً من مورد مشترك.

اليوم، في اليوم العالمي للنقل المستدام، الذي يُحتفل به سنويًا من قبل الأمم المتحدة لتسليط الضوء على الدور الحيوي للنقل الآمن، الميسر، ومنخفض الانبعاثات، تروي منظومة النقل اللبنانية قصة مختلفة.

مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والبنية التحتية، لا يمكن تجاهل الحاجة إلى حلول نقل مستدامة وعادلة وحديثة. الأمر لا يقتصر على السيارات النظيفة، بل يتعلق بإعادة تصور كيفية تحرك الناس، وكيفية عمل المدن، وكيفية التزام لبنان بتعهداته المناخية المستقبلية.

ماذا يعني النقل المستدام للبنان

يتجاوز النقل المستدام التحول إلى المركبات الكهربائية، إذ يتطلب تصميم نظام تنقل يخدم الناس، ويحمي البيئة، ويدعم الصمود الاقتصادي. يؤطر نبيل منعم، مدير مشروع النقل المستدام في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الموضوع حول ثلاث ركائز: الكفاءة الاقتصادية، العدالة الاجتماعية، والصداقة البيئية.

ويقول نبيل: “لا يمكننا في لبنان الاستمرار على الوضع الراهن، النموذج الحالي غير مستدام، وتغيير طريقة تفكيرنا بشأن التنقل يتعلق بجودة الحياة وإمكانية التحمل، وخلق مدن تعمل للجميع.”

في لبنان، يترجم ذلك إلى توسيع خيارات النقل العام، وجعل المشي وركوب الدراجات آمنين ومتيسرين بالفعل، ودمج تقنيات مركبات أنظف. والأهم من ذلك، يتطلب إعادة تصور الشوارع والمساحات العامة التي تهيمن عليها السيارات حاليًا. يعني التنقل المستدام استعادة المدن للناس، وتصميم بيئات آمنة وشاملة ومريحة للمشاة، والأهالي مع عربات الأطفال، والأشخاص ذوي الإعاقة.

التكلفة العالية لانبعاثات النقل

برز قطاع النقل كأحد أكبر مصادر انبعاثات الغازات الدفيئة في لبنان. وفقًا لأول تقرير شفافية دوري، ارتفعت حصة القطاع إلى 32.5٪ في 2022 مقارنة بـ 24٪ في السنوات السابقة. ويشير نبيل إلى أن انخفاض الانبعاثات في قطاع الطاقة، نتيجة اعتماد واسع لأنظمة الطاقة الشمسية، غير التوازن العام، مما يجعل النقل يظهر بشكل أكثر بروزًا.

يستهلك لبنان نحو 38.9 ألف برميل من البنزين يوميًا، مع استهلاك للفرد حوالي 421 لترًا سنويًا، أي تقريبًا ضعف المتوسط العالمي. وتسلط هذه الاعتماد العالي على البنزين الضوء على سبب مساهمة القطاع الكبيرة في الانبعاثات الوطنية.

لمواجهة ذلك، قدم لبنان حوافز تنظيمية للمركبات الكهربائية والهجينة. أعفيت المركبات الكهربائية من رسوم الجمارك خلال السنوات الخمس الماضية، وتلقى الهجين خصمًا بنسبة 80٪. تهدف هذه الإجراءات إلى تحويل الأسطول الوطني تدريجيًا إلى الأخضر، والذي لا يزال يهيمن عليه المركبات القديمة، مع تسجيل أكثر من نصفها قبل عام 2001.

مؤخرًا، أطلقت الحكومة خدمات على 10 خطوط حافلات بنحو 90 حافلة، وهي خطوة أولى نحو تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة. ومع ذلك، يتطلب خفض الكربون نهجًا نظاميًا. يعتمد النقل العام الموثوق على البنية التحتية، بما في ذلك حارات حافلات مخصصة، وتذاكر متكاملة، وجداول متكررة ومتوقعة، ومواقف حافلات مصممة جيدًا، وخيارات آمنة للركن ثم التنقل بالحافلة.

ويؤكد نبيل: “خفض الكربون ليس مجرد مسألة تقنية، نحن بحاجة إلى الظروف المناسبة لتحويل الناس من السيارات إلى النقل العام، ويشمل ذلك التخطيط العمراني، والتنفيذ، وتغيير السلوك.”

إعادة التفكير في النقل العام في لبنان

النقل المستدام في لبنان يعتمد على تفاعل السياسات والتكنولوجيا والتغيير الثقافي. تدعم منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والشركاء الدوليون هذا التحوّل من خلال رفع الوعي، وتجريب مبادرات منخفضة الكربون، وتعزيز خيارات تنقّل أكثر استدامة.
تقود UNDP عدة مشاريع تحويلية، من بينها إعداد أول استراتيجية وطنية للتنقّل الكهربائي في لبنان، والتي تضع خارطة طريق شاملة لانتقال البلاد نحو النقل الكهربائي، بما في ذلك الإصلاحات التنظيمية المطلوبة، ومتطلبات البنية التحتية، والترتيبات المؤسسية.
وتحدّد الاستراتيجية أيضًا مسؤوليات الجهات الحكومية، وخطط تحويل أساطيل النقل إلى الكهرباء، بالإضافة إلى رسم خريطة للبنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية.

وفي الوقت نفسه، يتم تعزيز النقل العام الأخضر من خلال برامج شهادات طوعية تقيّم الأداء البيئي والسلامة وجودة الخدمة. وقد حصل مشغّلان بالفعل على هذه الشهادة، لكنّ حملات توعية عامة مخصّصة تبقى ضرورية لبناء الثقة وزيادة الوعي بفوائد هذه الخدمات.

التغيير الثقافي مهم بالقدر نفسه. فبعد عقود من السياسات التي ركّزت على السيارات، أصبح امتلاك سيارة خاصة هو الخيار الافتراضي، لكن هذا الواقع لا يتغيّر تلقائيًا. وكما يوضح نبيل، يتغيّر نمط تنقّل الناس عندما تصبح تجربة النقل العام، من حيث الراحة والكلفة والشعور بالأمان، أكثر جاذبية من القيادة. وعندما تتفوّق التجربة المتكاملة للنقل العام على ما تقدّمه السيارة، يصبح التحوّل الثقافي نتيجة طبيعية.

تُظهر البرامج التجريبية التي تدعمها UNDP ومرفق البيئة العالمي، مثل خدمة الحافلات الكهربائية المرتقبة على خط جبيل – بيروت وتطوير الأدوات الرقمية وأنظمة الشهادات، إمكانات حقيقية للتغيير. إلّا أن توسيع هذه الحلول يتطلّب استثمارات مستمرة وتعاونًا بين المجتمع المدني والحكومة والقطاع الخاص.

ويقول نبيل: "في معظم الدول المتقدمة، يتم دعم النقل العام لأنه خدمة عامة أساسية. الربحية ليست المعيار الرئيسي، بل الوصول والموثوقية. علينا اعتماد هذا المنطق في لبنان."

فرص من أجل مستقبل نقل مستدام

رغم التحديات، يملك لبنان فرصة لإعادة التفكير في نظام النقل. فالمبادرات التجريبية، مثل الحافلات الكهربائية العاملة بالطاقة الشمسية والأدوات الرقمية للتخطيط والتشغيل، تُبرز إمكانية خفض التكاليف وتحسين جودة الهواء وتسهيل التنقّل، خاصة في المدن المزدحمة.

لكن توسيع هذه الحلول يتطلّب معالجة عقبات مستمرّة، إذ يحتاج لبنان إلى مسارات مخصّصة للحافلات وسيارات الأجرة، كما أن قانون السير نادرًا ما يُطبّق، والازدحام هو القاعدة، وفوضى مواقف السيارات تهيمن على العديد من الشوارع، وحركة المرور تبقى غير متوقّعة وغير آمنة. إن فرض القوانين، وتحديث الغرامات، وتنظيم المدن عناصر أساسية لجعل النقل المستدام واقعًا عمليًا.

كما أن إشراك المجتمع أمر بالغ الأهمية. فشبكة النقل العام غير الرسمية في لبنان تسدّ فجوات تتركها الخدمات الحكومية، وكما يشدّد نبيل: "علينا البناء على الفرص الموجودة ودعم المشغّلين عبر الشهادات والتدريب بدلًا من منافستهم." إن دمج هذه الخدمات وتنظيمها يمكن أن يعزّز النظام ككل مع الحفاظ على إمكانية الوصول للجميع.

ويجب أن تعطي تحسينات التنقّل الأولوية للشمولية أيضًا. فالأرصفة والمساحات العامة يجب أن تراعي احتياجات ذوي الإعاقة، والأهل الذين يستخدمون عربات الأطفال، والمشاة، بما يضمن أن تبدأ كل رحلة وتنتهي بسلام.

يشدّد نبيل على أن الجمع بين هذه العناصر—الابتكار، والتنظيم، ومشاركة المجتمع—يوفّر للبنان فرصة حقيقية لبناء نظام نقل فعّال ومستدام وعادل.

وأخيرًا، فإن اعتماد استراتيجية وطنية شاملة للنقل المستدام تشمل النقل البري والجوي والبحري أمر أساسي. مثل هذه الاستراتيجية ستساعد في مواءمة قطاع النقل مع التزامات لبنان المناخية، وتحسين السلامة العامة، وخفض الازدحام، وبناء نظام حديث يتمحور حول الناس.

برؤية واضحة وتخطيط وتعاون، يمكن لشوارع لبنان أن تعود مساحات للناس لا للسيارات، وأن يسهم النقل المستدام في تحسين جودة الحياة للأجيال القادمة.