
لبنان (خاص إنمائية) – 16 كانون الأول 2025
في عام 2025، وجد لبنان نفسه في مفترق حضاري واقتصادي وبيئي واجتماعي، بعد سنوات من التراجع المتزايد وضغوط على مختلف القطاعات الحيوية. من تدهور الأمن الغذائي وسط تراجع إنتاج الزراعة وارتفاع الأسعار، إلى هشاشة التعليم والصحة الجسدية والنفسية لدى الأطفال والعائلات، فكشف هذا العام عن تحديات عميقة تهدّد قدرات البلاد على الصمود.
وأمام هذا الواقع المعقّد، تحتاج مسيرة التعافي والاستدامة في لبنان إلى استجابة شاملة، تجمع بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتستند إلى شراكات محلية ودولية تعزز قدرة المجتمع اللبناني على تجاوز أزماته وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على التعافي.
1. أزمة الأمن الغذائي المتفاقمة
واجه لبنان أزمة أمن غذائي متفاقمة أثّرت على نحو 1.17 مليون شخص، أي حوالي 21% من السكان، خلال الفترة من نيسان حتى حزيران، وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO/WFP).
وتشير البيانات إلى أن الأزمة كانت أكثر حدة في بداية العام، حيث وصل عدد المتأثرين إلى نحو 1.65 مليون شخص (حوالي 30% من السكان)، منهم نحو 201 ألف شخص في مرحلة الطوارئ (IPC Phase 4). وتعود أسباب الأزمة إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها آثار النزاع المسلّح الذي أدى إلى تدمير البنى التحتية الزراعية وتعطيل الإنتاج الغذائي، إضافة إلى تدهور الاقتصاد اللبناني وارتفاع معدلات التضخم، مما جعل الأسر غير قادرة على شراء الغذاء الكافي.
كما ساهمت الأضرار في نظم الري، والمخازن، وأسواق التوزيع في تفاقم النقص الغذائي، لا سيما في المناطق الريفية وعند الفئات الأشد فقرًا، بما فيها اللاجئون السوريون والفلسطينيون.
2. أزمة تربوية وتعليمية
تقرير UNICEF Humanitarian Situation Report No. 4 في منتصف 2025 يشير إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال في لبنان لا يزالون خارج التعليم النظامي بسبب جملة من العوامل المرتبطة بالأزمات المتداخلة. وفي العام الدراسي 2024–2025، سجّلت وزارة التربية والتعليم العالي أن حوالي 327,721 طفلًا فقط هم المسجلون في المدارس الرسمية اللبنانية من أصل إجمالي الأطفال في سنّ المدرسة، مع دعم اليونيسف لتسجيل أكثر من 154,398 طفلًا إضافيًا (لبنانيين وغير لبنانيين) في التعليم الرسمي عبر مساعدات مالية وتغطية رسوم الحضور. في المقابل، ظلّ عدد كبيرٍ من الأطفال خارج النظام التعليمي، بما في ذلك برامج التعليم غير الرسمي واجتماعات الدعم.
وتقرير التقييم السريع لليونيسف في أوائل 2025 بيّن أن 45% من الأسر اضطروا لتقليص الإنفاق على الصحة و30% على التعليم لتأمين احتياجاتهم الأساسية، ما يجعل التعلم والالتحاق بالمدارس تحديًا كبيرًا للكثير منهم. كما أشار التقرير إلى أن العوائق المالية (الرسوم، تكاليف النقل، اللوازم المدرسية) تُعد من الأسباب الرئيسية لعدم التحاق الأطفال بالمدارس، وقد تضاعفت هذه العوائق مقارنة بالعام 2023 مما أسهم بشكل مباشر في ارتفاع أعداد غير المنتسبين إلى التعليم.
وتقرير آخر لليونيسف في شباط 2025 أوضح أن آثار الحرب على البنية التعليمية ما زالت قائمة، مع أكثر من 25% من الأطفال خارج المدرسة حتى مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مقارنة مع أكثر من 65% كانوا خارج التعليم أثناء اشتداد النزاع. وأكّد التقرير أن العديد من المدارس تعرضت لأضرار جسيمة أو حولت إلى مراكز إيواء للنازحين، مما عرقل عودة التعليم الكامل وأدى إلى تعطّل الدراسة لآلاف الأطفال.
3. أزمة الأدوية المزيفة
في 14 أيار 2025، أصدرت منظمة الصحة العالمية التنبيه الطبي رقم 3/2025 بشأن دفعات مغشوشة من حقن IMFINZI (durvalumab)، وهو دواء يُستخدم لعلاج أنواع معينة من السرطان. وأُبلغ عن هذه الدفعات المزيفة في آذار 2025 في عدة دول، بما فيها لبنان ضمن إقليم شرق المتوسط. وتفتقر هذه المنتجات المغشوشة إلى المادة الفعّالة، مما قد يؤدي إلى تأخير العلاج أو فشله ويشكّل خطرًا على صحة المرضى.
وسبق لمنظمة الصحة العالمية أن أصدرت تنبيهًا سابقًا رقم 5/2024 كشف عن وجود منتجات IMFINZI المغشوشة في لبنان أيضًا. وقد تم تحديث هذا التنبيه في عام 2025 لتوسيع نطاق المنطقة المتأثرة، مؤكدًا استمرار انتشار هذه الدفعات المزيفة وضرورة الحذر الشديد في التعامل معها لضمان سلامة المرضى.
4. أزمة الطاقة المتواصلة بنظام غير مستدام
في عام 2025، أكدت Electricité du Liban أن تأخّر وصول شحنات الوقود أدى إلى انخفاض مخزون الوقود في محطات زهراني ودير عمار، ما عطّل إنتاج الكهرباء وزاد الاعتماد على المولدات الخاصة، في ظل استهلاك يومي مرتفع وافتقار النظام لطاقة مستدامة.
كما أُبرز أن القدرة الحالية على تأمين الفيول تكفي لفترات قصيرة فقط، وأن جهود وزارة الطاقة لتحسين ساعات التغذية الكهربائية لا تزال مرتبطة بتأمين الوقود الضروري وتعويض الديون المتراكمة على المؤسسة.
ووفق تقارير متعددة، بما فيها The National وArab Reform Initiative، يعتمد اللبنانيون بشكل متزايد على المولدات الخاصة بالديزل بسبب ضعف شبكة الكهرباء الحكومية، مع ساعات تشغيل محدودة تتراوح بين 4 إلى 6 ساعات يوميًا. وهذا الاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري يجعل النظام غير مستدام بيئيًا وماليًا، ويزيد من الانبعاثات الضارة والتكاليف على الأسر، مع استمرار تدهور البنية التحتية وعدم الاستثمار في مصادر طاقة متجددة أو محطات جديدة.
5. أزمات صحية ونفسية متنامية
في استبيان أجرته يونيسف في حزيران 2025، أفاد 72% من مقدمي الرعاية بأن أطفالهم شعروا بـ القلق أو التوتر خلال الحرب الأخيرة، بينما أكد 62% أنهم واجهوا مشاعر الاكتئاب أو الحزن. هذه النسب تمثل ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بالبيانات قبل النزاع.
ويشير تقرير يونيسف أيضًا إلى أن أغلب الأسر اللبنانية تعاني من ضغوط نفسية مستمرة نتيجة الأزمات المتراكمة، حيث قال حوالي 7 من كل 10 مقدّمي رعاية إن أطفالهم يظهرون علامات القلق أو الانزعاج أو الحزن بشكل منتظم.
كما تشير نتائج يونيسف إلى أن التوتر الناجم عن النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا يقتصر فقط على اللحظة الراهنة، بل يمكن أن يكون له آثار طويلة الأمد على الصحة النفسية للأطفال والعائلات، وقد يؤدي إلى مشاكل نفسية مستمرة إذا لم يتلقَّى المتضررون دعمًا نفسيًا مناسبًا.
وأظهرت توصيات من الأمم المتحدة بعدم الاكتفاء بالعلاج الأساسي فقط، بل ضرورة دمج الدعم النفسي والاجتماعي في استراتيجيات الاستجابة للأزمات لضمان قدرة الأسر على الصمود والتعامل مع تأثيرات الصدمات النفسية.
6. توترات أمنية وتأثيراتها
وفق تقارير الأمم المتحدة لعام 2025، لا تزال التوترات الأمنية والحدودية في لبنان تشكل تهديدًا للاستقرار المحلي، خاصة في الجنوب على طول «الخط الأزرق» حيث تشهد المنطقة خروقات متكررة لاتفاق وقف إطلاق النار.
وقد دعت UNIFIL إلى رصد هذه الانتهاكات يوميًا، في حين مدد مجلس الأمن ولاية بعثة حفظ السلام لضمان وجود قوة مانعة للتصعيد حتى نهاية 2026.
كما أشارت تقارير UNFPA إلى تأثير هذه التوترات على الخدمات الأساسية وسلامة المدنيين، مع نزوح داخلي وتأثيرات على الصحة والبنى التحتية.