
لبنان- في اليوم العالمي للتعليم، من المهم أن ندرك أن التعلم لا يقتصر على الكتب والامتحانات فحسب، بل يشمل أيضاً فهم عقولنا ومشاعرنا وعالمنا الداخلي.
إن الطريقة التي نعتني بها بصحتنا النفسية والعاطفية تؤثر مباشرة على كيفية تعلمنا ونمونا وتفاعلنا مع الحياة. لاستكشاف العلاقة بين الوعي الذاتي والثقة بالنفس والتعليم مدى الحياة، التقت Enmaeya بـ Joyce Youhanna، معالجة بالتنويم الإيحائي السريري.
تعملين عن قرب مع النساء والأمهات في مجال الشفاء الداخلي والوعي الذاتي. من خبرتك، كيف تؤثر الصحة النفسية والعاطفية للمرأة على طريقة تعلمها ونموها وتفاعلها مع الحياة بشكل عام؟
الصحة النفسية والعاطفية للمرأة أمر بالغ الأهمية، خصوصاً في وقتنا الحاضر، إذ تلعب النساء أدواراً متعددة وأساسية في المجتمع، كالأمهات والمعلمات والمحترفات وقائدات الأعمال. العناية بالجانب الداخلي للمرأة يخلق توازناً أكبر في حياتها، ويساعد على تنظيم عواطفها وتوضيح أفكارها، مما يؤدي في النهاية إلى اتخاذ قرارات أكثر صحة ووعي، سواء في المنزل أو في مكان العمل.
هل لاحظتِ تغيراً في طريقة علاقة النساء بالتعلم والنمو الشخصي بعد أن يشعرن بالاستقرار العاطفي؟
نعم، عندما تشعر المرأة بالاستقرار العاطفي، يصبح من الأسهل عليها الأداء والمشاركة بشكل فعال. كما تشعر بمزيد من الدافعية لتحقيق أهدافها في الحياة، سواء على الصعيد الشخصي أو العائلي أو المهني، لأنها تتصرف من منطلق الوضوح والثقة بالنفس والاستقرار الداخلي.
هناك اعتراف متزايد اليوم بأن الثقافة العاطفية لا تقل أهمية عن الإنجازات الفكرية. كيف ترين الوعي العاطفي والطريقة الذهنية كأشكال أساسية من التعليم في الحياة الحديثة؟
في عالمنا الحديث، بالإضافة إلى التعليم الأكاديمي، تعتبر الثقافة العاطفية من أهم المهارات التي يمكن للشخص تطويرها. نحن نعيش في بيئة سريعة الإيقاع وغالباً ما تكون فوضوية، وأصبح من الصعب جداً أن يعيش الإنسان حياة متوازنة وصحية من دون القدرة على تنظيم أفكاره وعواطفه.
فهم العلاقة بين العقل والجسم أمر أساسي. تعلم هذه المهارات يمكّن الفرد من التعامل مع التغيرات المستمرة، وإدارة الضغوط بشكل أكثر فعالية، وبناء الصلابة العاطفية، وهي صفات لم تعد اختيارية بل أصبحت ضرورية للحياة الحديثة.
التنويم الإيحائي غالباً ما يُساء فهمه أو يُحاط بالأساطير. كيف تصفين دوره في دعم الصحة النفسية والفهم العميق للذات بطريقة واضحة ومفهومة؟
نعم، حان الوقت لتصحيح المفاهيم الخاطئة حول التنويم الإيحائي. التنويم الإيحائي هو ببساطة عملية علاجية تتم في حالة من التركيز الواعي، وهي حالة طبيعية من الوعي المركّز. وتكون فعالة بشكل خاص لأن الفرد يكون في هذه الحالة مسترخياً ومتقبلاً، مما يسمح بالوصول إلى العقل الباطن.
ونظراً لأن العقل الباطن يخزن الذكريات والأنماط العاطفية والتجارب السابقة، فإن العمل على هذا المستوى يمكّن، تحت إشراف معالج مختص، من معالجة المشكلات العالقة وإعادة صياغتها بأمان. وبدلاً من فقدان السيطرة، غالباً ما يكتسب العملاء فهماً أعمق ووضوحاً وتمكيناً خلال هذه العملية.
ما أكثر شيء يفاجئ الناس عند تجربتهم لهذا النوع من العمل الداخلي؟
يفاجأ الكثيرون بمدى وعيهم وحضورهم خلال جلسة التنويم الإيحائي. ويُفاجأ آخرون بالذكريات التي تظهر، وغالباً ما تكون تجارب لم يتوقعوا أنها ما زالت تؤثر فيهم.
ويكون البعض أكثر اندهاشاً من الاختراقات المفاجئة التي يمكن أن تحدث، مثل التخلص تماماً من خوف قديم، مثل الخوف من القيادة، والعودة للقيادة بثقة بعد سنوات من تجنبها. هذه اللحظات صعبة الشرح، لكنها تمنح شعوراً قوياً بالتمكين.
ما هي التغييرات الصغيرة في العالم الداخلي للأم التي يمكن أن تعزز الحياة الأسرية وتدعم رفاهية الأطفال في المدرسة؟
عندما تشعر الأم بالتوازن النفسي والدعم العاطفي، أي عندما يكون “خزانها ممتلئاً”، تصبح قادرة على العطاء بحرية ومن القلب.
تتمتع بصبر أكبر وحضور ووعي عاطفي، مما ينعكس إيجابياً على عائلتها وكل من حولها.
أما إذا كان خزان الأم فارغاً، فإن العطاء غالباً ما يكون مجبراً أو مرهقاً، ببساطة لأنها لا تملك الكثير لتقدمه. هذا الاختلاف يشكّل المناخ العاطفي للمنزل والمدرسة بشكل كبير.
ما بعض التمارين أو العادات العملية التي توصي بها للطلاب لتحسين التركيز والدافعية والثقة بالنفس؟
يجب تعليم الأطفال اليقظة الذهنية من خلال مساعدتهم على الانتباه إلى الأنشطة اليومية البسيطة، مثل التركيز على الأكل أو المشي أو الاستحمام. على سبيل المثال، يمكنهم أثناء الأكل أن يبطئوا الحركة ويعيشوا اللحظة بالكامل، ملاحظين رائحة الطعام وطعمه وملمسه، ما يعلّمهم تقدير التفاصيل الصغيرة ويعزز التركيز.
يمكنهم أيضاً ممارسة اليقظة الذهنية من خلال التوقف لملاحظة تنفسهم أو جلب وعيهم لأجسادهم، مثل ملاحظة التوتر في الكتفين أو الرقبة.
هذه الممارسات البسيطة تحسّن التركيز، ما يزيد بدوره الدافعية لإنجاز المهام، ومع رؤية أنفسهم يحققون إنجازات، تنمو ثقتهم بأنفسهم. بهذه الطريقة، تكون اليقظة الذهنية، التركيز، الدافعية، والثقة بالنفس مترابطة.
كيف يمكن للمدارس في لبنان تضمين عناصر الوعي بالعقل الباطن أو ممارسات الصحة النفسية لدعم رضا الطلاب عن حياتهم المدرسية؟
من خلال خبرتي، يمكن أن تكون الورش التي تعلم الطلاب عن قوة العقل الباطن مفيدة ومؤثرة جداً.
لكن يجب تصميم هذه الورش بعناية لتتناسب مع عمر الطلاب ومستوى فهمهم، لتكون المفاهيم سهلة الوصول وذات معنى لهم.
كيف يمكن لتعزيز الصحة النفسية والوعي بالعقل الباطن اليوم أن يساهم في تكوين شباب أكثر مرونة وثقة ونجاحاً في المستقبل؟
أعتقد أن الوعي يعزز الثقة بالنفس. عندما يفهم الأطفال مشاعرهم وأفكارهم، ويُتاح لهم بيئة آمنة وداعمة للتعبير وطرح الأسئلة دون خوف من الحكم، يتم تأسيس قاعدة قوية للصحة النفسية، وهي وصفة لتنشئة جيل سليم نفسياً.
من خلال تعزيز الوعي العاطفي وتوفير مساحات آمنة للتعبير عن الذات، نزود الأطفال والكبار على حد سواء بالأدوات اللازمة للنجاح أكاديمياً وشخصياً.
التعليم لا يقتصر على المعرفة فحسب، بل يشمل بناء متعلمين واثقين ومرنين عاطفياً قادرين على التعامل مع الحياة بوضوح وهدف.


