
عالم - عاد ملف تخزين الغذاء إلى صدارة السياسات الاقتصادية العالمية بعد عقود من تفكيك المخزونات الوطنية والاعتماد شبه الكامل على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، بحسب تقرير أعدّته "فايننشال تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية".
هذا التحول لا يعكس أزمة نقص غذائي بقدر ما يعكس أزمة ثقة متزايدة في استقرار النظام العالمي وقدرته على الاستمرار في أوقات الاضطراب، حيث باتت الحكومات تنظر إلى الغذاء كمسألة سيادية لا يمكن تركها بالكامل لمنطق السوق.
شكّلت جائحة كوفيد-19 نقطة تحوّل مفصلية، إذ كشفت هشاشة نموذج “التوريد في الوقت المناسب” الذي يعتمد على التدفقات المستمرة من دون هوامش أمان. فقد أظهرت الإغلاقات وتعطّل النقل أن الأسواق قد تعمل بكفاءة في الظروف الطبيعية، لكنها تفشل بسرعة عند وقوع صدمات واسعة النطاق، ما أعاد الاعتبار لفكرة المخزون كشبكة أمان أساسية.
إلى جانب الجائحة، ساهمت الحروب والتوترات الجيوسياسية في تسريع هذا التوجه، خصوصاً مع إدراك الدول أن النزاعات قد تتحول سريعاً إلى أدوات ضغط عبر الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد. الحرب الروسية الأوكرانية مثّلت نموذجاً واضحاً لكيف يمكن لصراع إقليمي أن يهز أسواق الغذاء العالمية ويقوّض تدفقات الحبوب إلى دول بعيدة جغرافياً عن ساحة النزاع.
ولعب تغيّر المناخ دوراً متزايد الأهمية في إعادة إحياء سياسات التخزين، إذ أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة أكثر تكراراً وأقل قابلية للتنبؤ، ما أدى إلى تقلبات حادة في الإنتاج الزراعي.
هذا الواقع دفع دولاً تعاني من الجفاف أو الفيضانات إلى تعزيز مخزوناتها الغذائية بهدف تقليص اعتمادها على أسواق دولية باتت أكثر تقلباً وارتفاعاً في الأسعار.
واستجابت دول متقدمة ونامية على حد سواء لهذا الواقع عبر توسيع مخزوناتها من الحبوب والمواد الغذائية الأساسية، في تحول لافت شمل دولاً لطالما دافعت عن حرية التجارة وقللت من دور الدولة في إدارة الغذاء. هذا التوسع يعكس قناعة متزايدة بأن الأمن الغذائي لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.
في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف اقتصادية وهيكلية، إذ إن التخزين على نطاق واسع يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والإدارة، فضلاً عن مخاطر الهدر وتدهور الجودة مع مرور الوقت. كما أن الإفراج عن المخزونات في توقيت غير مناسب قد يسبب خسائر مالية أو تشوهات إضافية في السوق.
الأخطر من ذلك أن السياسات الفردية وغير المنسّقة بين الدول قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فعندما تلجأ عدة حكومات في الوقت نفسه إلى سحب كميات كبيرة من الغذاء من الأسواق العالمية، تتقلص الإمدادات المتاحة للتجارة وترتفع الأسعار، ما يفاقم هشاشة الدول الفقيرة ويحوّل سعي الدول إلى حماية نفسها إلى مصدر لعدم الاستقرار العالمي.
ويعكس هذا المشهد تحوّلاً أعمق في النظام الاقتصادي الدولي، حيث تتراجع الثقة المتبادلة بين الدول لصالح سياسات وقائية وانعزالية نسبياً.
ويرى خبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مبدأ التخزين بحد ذاته، بل في غياب إطار دولي واضح ينظّم إدارة المخزونات واستخدامها خلال الأزمات.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة تصميم منظومة الأمن الغذائي العالمي على أسس جديدة تقوم على تنويع سلاسل الإمداد، وتعزيز الإنتاج الإقليمي، وبناء احتياطيات مشتركة، إلى جانب آليات تعاون تضمن التدخل السريع والمنسّق عند وقوع الصدمات. من دون ذلك، قد تتحول سياسات التخزين من أداة حماية إلى عامل إضافي يزيد من هشاشة النظام الغذائي العالمي.