حقوق النشر AP Photo
حقوق النشر AP Photo

لبنان - لم يكن انهيار أحد المباني في منطقة باب التبانة في طرابلس مفاجئاً، فهذه الكارثة كانت نتيجة تحذيرات متكررة على مرّ السنوات، سواء على مستوى البلاد أو المناطق الفقيرة والمهمشة، وقد وقعت حوادث مماثلة منذ أسبوعين، وتشير المؤشرات إلى أن سيناريو مماثل قد يتكرر في المستقبل القريب، إذا لم يُجرَ مسح جديد أو تُتخذ حلول عملية لمعالجة المباني المهددة بالسقوط.

وفي هذا السياق، تحدث البروفسور المهندس خالد تدمري، أستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية وعضو سابق في مجلس بلدية طرابلس، لانمائية، عن أزمة المباني المهدّدة في المدينة، مؤكداً أن المبنى الذي انهار مؤخراً في باب التبانة كان ضمن قائمة المباني المهدّدة بالسقوط، لكنه ليس لديه اطلاع على ما إذا كان مصنّفاً بين المئة وخمسة المباني التي يجب إخلاؤها بشكل سريع أم لا.

وأضاف أن المبنى الذي سقط قبله بأسبوعين في منطقة القبة لم يكن مدرجاً ضمن قائمة الإخلاء السريع لكنه كان ضمن المباني التي بحاجة إلى تدعيم.

كيف أُجريت المسوحات السابقة ولماذا لم تكن كافية؟

أوضح تدمري أن بلدية طرابلس كانت تعتمد على مسوحات سريعة أجريت بعد زلزال تركيا المدمر قبل ثلاث سنوات، بالتعاون مع نقابة المهندسين ومجموعة من المهندسين المتطوعين، للكشف عن المباني المهدّدة.

وأشار إلى أن هذه المسوحات تتطور مع مرور الزمن، حيث تدهورت حالة بعض المباني التي لم تكن خطرة بدرجة كبيرة، وبالتالي تحتاج البلدية الجديدة إلى تحديث تلك المعلومات.

وقال تدمري إن المسوحات السابقة كانت سريعة وغير كافية، لأنها تعتمد على خبراء محدودين، وتفتقر إلى المعدات والفحوصات المخبرية اللازمة لتحديد عمر الباطون والكتل الاسمنتية وعمر الحديد الموجود عن طريق أخذ عينات، بالإضافة إلى الكشف الحسي عبر حركة المباني والارتجاجات التي أصابتها على مرّ السنوات.

وأكد أن هذه الأمور تحتاج إلى ميزانية كبيرة، مهندسين متخصصين، وتجهيزات، وأن وحدات الجيش اللبناني هي الوحيدة المخولة بإجراء مثل هذه العمليات بشكل دقيق.

وأضاف أنه إذا أُقيمت أي عملية مسح جديدة، فإن عدد المباني المهددة سيتضح أنه أكبر بكثير، مشيراً إلى أن هناك أكثر من ألف مبنى بحاجة إلى تدعيم، وأكثر من مئة مبنى بحاجة إلى إخلاء سريع.

أسباب الأزمة العمرانية

وعن أسباب الأزمة الحالية، قال تدمري إن مناطق باب التبانة والقبة وجبل محسن وبعض أحياء باب الرمل شهدت نزوح أهالي الريف منذ ستينيات القرن الماضي، وبُنيت فيها مبانٍ بسيطة وبتكاليف منخفضة لتناسب السكان القادمين من الريف.

وأوضح أن هذه المباني لم تشهد صيانة دورية، كما تعرضت على مر السنوات لارتجاجات نتيجة الحرب وعوامل طبيعية، ما جعلها عرضة للسقوط.

كما أشار الى أن بعض المباني المصنوعة من الحجر التراثي في باب التبانة وضهر المغر تعرضت لمشاكل إنشائية بعد إضافة طبقات إسمنتية فوقها، وهو ما تسبب في تدهور حالتها. وأضاف أن كثافة السكان وأوزانهم الزائدة، بالإضافة إلى تقسيم الشقق القديمة إلى أكثر من شقة بسبب الفقر والنزوح، وتسرّب مياه الصرف إلى ملاجئ المباني، جعلت أساساتها تتآكل، فيما تركت الحروب هذه المباني لمصيرها، وأثرت الهزات الارتدادية خلال زلزال تركيا على الأعمدة وجعلتها معرضة للتفكك.

السكان عاجزون عن مغادرة منازلهم

ويشير تدمري الى أن الأهالي مدركون لخطر المباني المهددة بالسقوط، لكنهم عاجزون عن مغادرتها دون تأمين بديل آمن، ومع ذلك، بعد الكوارث الأخيرة أصبح بعضهم يبلغ عن المباني المهددة بالانهيار أو يلجأ موقتاً إلى أقاربه.

وأضاف أن طرابلس غير مهيئة للتعامل مع أي كارثة، سواء طبيعية أو إنشائية، وأن فرق الإنقاذ الحالية غير كافية، بما في ذلك سيارات الإسعاف، ما يستدعي تدابير عاجلة لضمان سلامة السكان.