أسطح المباني السكنية اللبنانية تتحول إلى محطات للطاقة الجماعية
أسطح المباني السكنية اللبنانية تتحول إلى محطات للطاقة الجماعية

لبنان - في ظل الانهيار المزمن لقطاع الكهرباء في لبنان، برزت مشاريع الطاقة الشمسية الجماعية كأحد أبرز التحولات التي فرضتها الأزمة، لكنها سرعان ما تحولت من حلٍّ طارئ إلى خيار استراتيجي يعيد رسم ملامح المشهد الكهربائي في البلاد. وبين الضرورة والابتكار، تتقدم هذه المشاريع لتطرح نموذجاً مختلفاً في إنتاج الطاقة وإدارتها.

وفي مقابلة خاصة لانمائية، أكّد أمين سر فرع لبنان في مجلس الطاقة العالمي، الدكتور بيار الخوري أن مشاريع الطاقة الشمسية الجماعية Community Solar Projects تمثل تحوّلاً بنيوياً في قطاع الكهرباء في لبنان، مشيراً إلى أنها نشأت بداية كحلّ ظرفي نتيجة أزمة الكهرباء وعجز المسؤولين عن إيجاد حلول مستدامة لها، قبل أن تتحول إلى جزء من التحول الكبير الذي يشهده القطاع.

وأوضح أن فكرة الطاقة الجماعية ليست جديدة عالمياً، إذ طُبّقت في دول عدة، لا سيما في أفريقيا حيث توجد قرى نائية تبعد مئات الكيلومترات عن المدن والعواصم الأساسية ولا تصلها الكهرباء، فكان الحل عبر إنشاء أنظمة طاقة جماعية. إلا أن خصوصية التجربة اللبنانية تكمن في المسار الزمني الذي فرضته الأزمة.

مسار بدأ قبل الأزمة

وشدد الخوري على أن التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية في لبنان لم يكن مجرد ردة فعل على الانقطاع المستمر للكهرباء، بل بدأ العمل عليه منذ عام 2010 عبر إعداد القوانين والتشريعات والمعايير والمواصفات وتنفيذ مشاريع نموذجية وتطوير الجوانب التقنية، في إطار خطة لتحويل لبنان نحو طاقة صديقة للبيئة.

إلا أن هذا المسار اصطدم بعدم قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين التغذية الكهربائية، ما أدى إلى تحول الطاقة الشمسية من مسار انتقالي مدروس إلى بديل مباشر عن كهرباء الدولة. ومع اندلاع الأزمة في عام 2019، أصبحت الطاقة الشمسية حلاً طارئاً لتعويض الانقطاع الدائم، وبدأت تدريجياً تأخذ مكان المولدات الخاصة في بعض المناطق.

من المولدات إلى الأنظمة الجماعية

وأشار إلى أن شركات عدة اتجهت إلى تنفيذ أنظمة جماعية تغطي مجموعة أسطح داخل القرى، لافتاً إلى أن الأنظمة الكهربائية كلما كانت أكبر، كانت إدارتها أسهل. وبالتالي، فإن الطاقة الجماعية على مستوى القرى قد تكون خياراً ذكياً يخفف الاعتماد على المولدات.

غير أنه أوضح أن هذا الحل غالباً ما يبقى جزئياً، إذ يعود المولد لتغطية الفجوة عند ارتفاع الطلب، أو في حال انخفاض سطوع الشمس أو خلال ساعات الليل. أما في حال إضافة بطاريات إلى النظام الشمسي الجماعي، فيمكن حينها الاستغناء بشكل أكبر عن المولدات. كما لفت إلى أن تأمين حد أدنى من التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان يسمح بالتخلي عن المولد لصالح مزيج يجمع بين الطاقة الشمسية وتغذية الشبكة الرسمية.

الشروط التقنية والقانونية

وفي ما يتعلق بالشروط التقنية لنجاح مشروع طاقة جماعية داخل مبنى سكني، اعتبر الخوري أنها بسيطة ويمكن لأي شركة متخصصة تنفيذها. إلا أنه شدد على نقطتين أساسيتين:

1. آلية احتساب الفواتير بين السكان.

2. الإطار القانوني لاستخدام السطح والأقسام المشتركة بما يضمن عدالة المشروع لجميع القاطنين.

أما على مستوى التحديات، فأبرزها مسألة الشبكة والكابلات. إذ ينص القانونان 462 و318 على ضرورة استخدام شبكة مؤسسة كهرباء لبنان القائمة، ولا يُسمح بمدّ كابلات من منزل إلى آخر أو إنشاء شبكة مستقلة غير مرتبطة بالشبكة الوطنية.

قانون 318/2023 ودعم "التعداد الصافي المجتمعي"

وأوضح الخوري أن القانون 318/2023 يدعم بوضوح مشاريع الطاقة الجماعية تحت مسمى Collective Net Metering (التعداد الصافي المجتمعي)، ويقوم على فكرة مركزية تتمثل في استخدام الشبكة الوطنية لمؤسسة كهرباء لبنان والسماح للمواطنين بالتجمع للاستفادة من إنتاج جماعي للطاقة.

الكلفة والدعم الرسمي

وأكد أن الكلفة الأولية للطاقة الجماعية ليست مرتفعة، بل إن الحل الفردي غالباً ما يكون أكثر كلفة من الحل الجماعي إذا أُدير المشروع بطريقة هندسية وقانونية سليمة.

وأشار إلى أن الدولة تبنّت هذا التوجه من خلال مجلس النواب ووزارة الطاقة والمياه، اللذين أقرّا التشريعات الداعمة، مؤكداً وجود دعم رسمي للنموذج. إلا أن العائق الأساسي يبقى قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على الاستجابة لطلبات القطاع الخاص وربط المشاريع بالشبكة الوطنية. وفي حال عدم تلبية هذه الطلبات، ستبقى المبادرات الفردية محدودة أو غير قانونية.

ويبقى نجاح الطاقة الشمسية الجماعية مرتبطاً بتفعيل دور مؤسسة كهرباء لبنان، للانتقال من حلٍّ موقت إلى مسار مستدام.