
لبنان – يظهر الاقتصاد اللبناني مؤشرات أوليّة على التحسّن في 2025 بعد انكماش شديد للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.4% في 2024، وفقًا لمراجعة بنك لبنان لشهر حزيران 2025.
وساعد الاستقرار السياسي، بما في ذلك انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة، وتعيين حاكم جديد للبنك المركزي، في تحسين المعنويات وتقليل حالة عدم اليقين.
ومن المتوقع أن يعود الناتج المحلي الإجمالي إلى نمو متواضع في 2025.
وانخفض معدل التضخم العام إلى 15% على أساس سنوي في حزيران 2025 مقارنة بـ 41.8% قبل عام.
ومع ذلك، يظل التضخم الأساسي مرتفعًا الذي يستثني تقلبات أسعار الغذاء والطاقة ويُستخدم كمقياس أكثر استقرارًا على المدى الطويل.
على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، يثير نوع النمو الحالي تساؤلات حول استدامته.
الاستهلاك المحلي يقود النمو الاقتصادي
وتشير مراجعة بنك لبنان إلى أن الاستهلاك المحلي كان المحرّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي في 2025.
وارتفعت الواردات بشكل حاد، لتصل إلى 62% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بـ 31% في 2019، ما يعكس الاعتماد المتزايد على السلع المستوردة لتلبية الطلب المحلي.
ومن المتوقع أن يتعافى قطاع السياحة تدريجيًا بعد انخفاضه بنسبة 16% في 2024 بسبب التحديات الاقتصادية والأمنية.
وزادت أعداد الوصول إلى المطارات بنسبة 3.4% في النصف الأول من 2025، وهو مؤشر على تحسن متريث. ومع ذلك، لا تزال الصادرات والاستثمار ضعيفين، مما يشير إلى أن التعافي الحالي يعتمد بشكل كبير على الإنفاق والتحويلات المالية بدلاً من التوسع الإنتاجي.
المحرّك المفقود للنمو هو الاستثمار
لا يزال الاستثمار الخاص والعام محدودًا بشكل حاد.
وانخفض تكوين رأس المال الثابت الإجمالي، الذي يقيس الإنفاق على الأصول الإنتاجية طويلة الأمد مثل البنية التحتية والمعدات والمباني، من حوالي 22% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018 إلى 1.9% فقط في 2023، وفقًا لبيانات البنك الدولي المشار إليها في مراجعة بنك لبنان، ومن المتوقع أن يظل عند مستويات مماثلة خلال 2025.
ويظل الاستثمار العام محدودًا بسبب القيود المالية، حيث يوجه الإنفاق الحكومي غالبًا نحو الأجور بدل الأصول الرأسمالية. أما الاستثمار الخاص فيظل ضئيلًا نتيجة شلل القطاع المصرفي واستمرار حالة عدم اليقين.
وانكمشت ميزانيات البنوك التجارية بنسبة تقارب 60% منذ 2019. ويظل الإقراض الجديد محدودًا للغاية، مما يعكس انهيار دور البنوك في توفير الائتمان للاقتصاد. بدون إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة تدفق الائتمان، سيظل تعافي الاستثمار بعيد المنال.
أهمية الاستثمار للنمو الاقتصادي
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أهمية حماية الاستثمار الإنتاجي أثناء فترات التعافي.
• وجدت دراسة أجرتها Ambar Rabnawaz (2015) حول تأثير الاستثمار العام على النمو الاقتصادي في باكستان علاقة إيجابية بين الاستثمار العام والناتج المحلي الإجمالي، مع وجود أثر متبادل بينهما، مما يشير إلى أن الاستثمار العام يدعم النمو الاقتصادي، في حين أن النمو القوي يعزز الاستثمار لاحقًا.
• أبحاث صندوق النقد الدولي حول الإنفاق الاجتماعي والنمو تظهر أن إنفاق الدولة على التعليم والصحة يسهم في تراكم رأس المال البشري وتعزيز النمو الاقتصادي في الدول النامية، مع التأكيد على أن فعالية الإنفاق تعتمد على الحوكمة والشفافية والانضباط المالي.
• دراسة متعددة الدول بعنوان “Growth-friendly Fiscal Rules؟” تشير إلى أن الدول التي تفتقر إلى قواعد مالية مرنة تميل إلى خفض الاستثمار العام بشكل أكبر أثناء تقليص الميزانية، بينما تتمكن الدول ذات القواعد المرنة من حماية الإنفاق الرأسمالي بشكل أفضل.
وتشير الأدلة إلى أن خفض الاستثمار قد يحسن الموازنة على المدى القصير، لكنه يأتي على حساب النمو طويل الأمد.
الاستقرار من دون إعادة البناء؟
وتشير مراجعة بنك لبنان إلى أنه بدون إصلاحات لإعادة هيكلة القطاع المصرفي والمالي، وإدارة استرداد الودائع، وإحياء دورة الائتمان، وتعزيز الحوكمة والشفافية، واستعادة الثقة، سيظل تعافي الاستثمار ضعيفًا.
ويعكس التعافي في 2025 تحسن الاستقرار وتراجع التضخم، لكن انخفاض مستويات الاستثمار العام والخاص يشير إلى أن الأسس اللازمة للنمو الاقتصادي المستدام لا تزال غير متطورة.
مع دخول لبنان مرحلة ما بعد الأزمة، قد يصبح تحفيز الاستثمار الإنتاجي العامل الأساسي لتحويل الاستقرار الحالي إلى تعافٍ مستدام.



