
العالم- في ظل تصاعد الحرب وارتفاع التوترات في أنحاء الشرق الأوسط، بدأت الأسواق تتداول مجددًا عبارة شكّلت مرحلة كاملة في الذاكرة الاقتصادية العالمية: صدمة النفط.
يُباع النفط حاليًا بسعر يتراوح بين 75 و80 دولارًا للبرميل. هذا السعر لا يعكس فقط العرض والطلب الفعليين، بل يتضمن ما يُسمّى في الأسواق "risk premium" أي زيادة استباقية في السعر بسبب التوترات السياسية والمخاوف من تطورات قد تؤثر على الإمدادات.
دور الشرق الأوسط في إمدادات النفط العالمية
لا يزال الشرق الأوسط يلعب دورًا محوريًا في أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب أحدث البيانات الدولية:
• يشكّل مجلس التعاون الخليجي نحو 20% إلى 22% من الإنتاج العالمي للنفط.
• تنتج السعودية وحدها ما يقارب 11% إلى 13% من إجمالي الإنتاج العالمي.
• تساهم إيران بنحو 4% إلى 4.5% من الإمدادات العالمية.
• تمثل منطقة الشرق الأوسط إجمالًا قرابة 30% من إجمالي الإنتاج النفطي العالمي.
ولا تقتصر أهمية المنطقة على حجم الإنتاج فحسب، بل تمتد إلى موقعها الجغرافي الحيوي بالنسبة للتجارة العالمية.
مضيق هرمز: نقطة استراتيجية
يمرّ نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط عبر مضيق هرمز، الممرّ البحري الضيق الذي يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية. كما يُعد هذا المسار حيويًا لصادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من قطر.
وقد طُرحت مؤخرًا ثلاثة سيناريوهات محتملة:
• اضطرابات محدودة أو حوادث أمنية قد تدفع أسعار النفط نحو 90 دولارًا للبرميل.
• تعطيل مستمر لحركة ناقلات النفط قد يرفع الأسعار إلى حدود 120 دولارًا.
• أما الإغلاق الكامل للمضيق، حتى وإن كان مؤقتًا، فقد يؤدي إلى تجاوز الأسعار مستوى 150 دولارًا للبرميل، تبعًا لمدة الإغلاق وحجم الاستجابة الدولية.
ورغم أن هذه السيناريوهات لا تزال افتراضية، فإن الأسواق المالية غالبًا ما تبدأ بالتكيّف مع المخاطر قبل وقوع الخسائر الفعلية.
حظر النفط عام 1973
تُذكّر التطورات الحالية كثيرين بحظر النفط عام 1973، عندما قيّدت "أوبك" صادراتها على خلفية النزاع العربي–الإسرائيلي، ما أدى إلى تضاعف أسعار النفط أربع مرات خلال أشهر قليلة.
وكانت النتائج واسعة النطاق:
• شهدت الاقتصادات المتقدمة، بما فيها الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا، معدلات تضخم مرتفعة وركودًا اقتصاديًا فيما عُرف لاحقًا بـ"الركود التضخمي".
• واجهت الدول النامية ارتفاعًا في فواتير الاستيراد وزيادة في الاقتراض الخارجي، ما ساهم في أزمات ديون خلال ثمانينيات القرن الماضي.
• حققت الدول المصدّرة للنفط في الخليج عائدات كبيرة، لكنها شهدت أيضًا تضخمًا داخليًا وتقلبات اقتصادية.
وقد أعادت صدمة 1973 رسم سياسات الطاقة عالميًا، فتم إنشاء احتياطيات نفط استراتيجية، وتعزيز جهود تنويع مصادر الطاقة، وزيادة كفاءة الاستهلاك.
إلى أي مدى الاقتصاد العالمي هشّ اليوم؟
تغيّر مشهد الطاقة العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي. فالولايات المتحدة أصبحت منتجًا رئيسيًا للنفط، وتتوفر احتياطيات استراتيجية في عدة اقتصادات، كما توسعت قدرات الطاقة المتجددة.
إلا أن الظروف العالمية الحالية تنطوي على نقاط ضعف مختلفة:
• مستويات مرتفعة من الدين السيادي في الاقتصادات المتقدمة والنامية.
• استمرار الحرب في أوكرانيا.
• تباطؤ النمو في الاقتصادات الكبرى.
• ضغوط تضخمية مستمرة في عدة مناطق.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن بقاء أسعار النفط فوق 120 دولارًا للبرميل لفترة طويلة قد يعيد إشعال التضخم عالميًا ويبطئ النمو الاقتصادي، لا سيما في الدول المستوردة للطاقة.
التأثير المحتمل على لبنان
بالنسبة إلى لبنان، الذي يعتمد بشكل كبير على استيراد الوقود، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة.
ويأتي ذلك في وقت رفعت فيه الحكومة اللبنانية مؤخرًا أسعار البنزين بنحو 300 ألف ليرة لبنانية، وأصدرت تشريعات لزيادة الضريبة على القيمة المضافة ضمن مسار التعديلات المالية الجارية.
وأي ارتفاع إضافي في أسعار النفط عالميًا قد يؤدي إلى:
• زيادة كلفة إنتاج الكهرباء.
• ارتفاع أسعار النقل والمواد الغذائية.
• مزيد من الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
• ضغط إضافي على احتياطيات العملات الأجنبية.
كما أن الأزمة الاقتصادية المستمرة في لبنان ومحدودية قدرته المالية تقلّصان هامش المناورة لامتصاص الصدمات الخارجية. ويرى محللون أن أي ارتفاع مستدام في أسعار الطاقة عالميًا سيُترجم على الأرجح بمزيد من التضخم الداخلي والضغوط الاقتصادية.
التوقعات
حتى الآن، لا تزال تدفقات النفط مستمرة عبر مراكز الإنتاج والممرات البحرية في المنطقة، ولم يحدث أي انقطاع كبير في الإمدادات.
إلا أن أسواق الطاقة تبقى شديدة الحساسية للتطورات في الشرق الأوسط. وطالما استمرت التوترات بالقرب من مراكز الإنتاج والممرات البحرية الحيوية، ستظل احتمالية حدوث صدمة نفطية عالمية جزءًا من النقاش الاقتصادي العالمي.



