
لبنان - أطلقت الجمعيات البيئية والناشطون تحذيرات عاجلة بعد دخول جرافة منذ فترة إلى محيط مغارة الفقمة في عمشيت بهدف إقامة فيلا سكنية.
وتُعد هذه المنطقة من أكثر المواقع الساحلية حساسية من الناحية البيئية. وبدأت أعمال الحفر والجرف في ورشة على عقار خاص، ما اعتبره الناشطون اعتداءً بيئيًا خطيرًا لا يمكن السكوت عنه.
وأثار بدء الأعمال موجة استنكار واسعة، وسط تحذيرات من أن استمرارها قد يؤدي إلى تدمير كنز بيئي نادر وأحد أهم المعالم الطبيعية في عمشيت.
أهمية مغارة فقمة عمشيت بيئيًا
ويؤكد الناشطون أن تدمير المغارة يعني عملياً تهديد التنوع البيولوجي في المنطقة وتدمير موئل فقمة الراهب المتوسطية، وهي من الحيوانات المهددة بالانقراض.
في هذا السياق، أوضح مؤسس ورئيس جمعية الأرض – لبنان بول أبي راشد في مقابلة خاصة لانمائية أن مغارة فقمة عمشيت تُعد موقعاً فريداً من نوعه على الساحل اللبناني.
ولفت إلى أن هذه المغارة هي الوحيدة التي ذكرها الدكتور جورج طعمة وزوجته هنريات طعمة في كتابهما "الحيوانات اللبونة في لبنان"، حيث أشارا إلى وجود أعداد كبيرة من الفقمات في هذا الموقع في سبعينيات القرن الماضي.
وأوضح أن المغارة تُعد من أنسب الأماكن لعيش فقمة الراهب المتوسطية، لأنها تحتوي على شاطئ داخلي جاف يسمح للفقمة بالراحة والنوم خارج الماء، إذ إن هذا الحيوان لا ينام في البحر.
كما تحتاج الفقمة إلى مكان بعيد عن البشر لتشعر بالأمان، خصوصاً أنها تعرضت عبر تاريخها في البحر المتوسط لمجازر أدت إلى تراجع أعدادها ولجوئها إلى المغاور الساحلية.
وأضاف أن المغارة تتميز أيضاً بوجود مياه بحر داخلها، ما يسمح للأم بتدريب صغارها على السباحة والصيد في بيئة آمنة. ولهذا السبب يعتبر الموقع مهماً جداً لبقاء هذا الحيوان النادر في لبنان.
توثيق ظهور الفقمات ونُدرة المغاور المناسبة
وأشار أبي راشد إلى أن جمعية الأرض – لبنان تمكنت منذ عام 2020 وحتى عام 2025 من توثيق ظهور فقمة الراهب المتوسطية 25 مرة عبر مقاطع فيديو وصور انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس فقط في عمشيت بل أيضاً على بعض الشواطئ اللبنانية، خصوصاً في منطقة الروشة التي تحتوي على مغاور بحرية.
لكن ما يميز مغارة عمشيت هو جمالها الطبيعي وملاءمتها الاستثنائية لعيش الفقمة مقارنة بمواقع أخرى.
وفي ما يتعلق بمدى ندرة هذا النوع من المغاور، أوضح أن بعض الأشخاص اقترحوا إعادة الفقمة إلى جزر محمية في منطقة طرابلس، إلا أن خبراء بيئيين أكدوا أن مغاورها لا تحتوي على شاطئ جاف، وهو عنصر أساسي تحتاج إليه الفقمة للراحة والتكاثر. لذلك، ليست كل المغاور البحرية صالحة لتكون موئلاً لفقمة الراهب المتوسطية، فيما تبقى مغارة عمشيت من أكثر المواقع ملاءمة لها.
التهديدات التي تواجه فقمة الراهب المتوسطية
وتُعد فقمة الراهب المتوسطية من أكثر الثدييات البحرية المهددة بالانقراض في العالم، حيث تحتل مرتبة متقدمة بين الحيوانات المهددة. ويرجع الخطر الذي يهددها أساساً إلى اختفاء الموائل الطبيعية التي تحتاجها للتكاثر وتربية صغارها.
ويشير أبي راشد إلى أن الموائل تختفي بسبب الضغوط السياحية والسكنية والتوسع العمراني والبنى التحتية وفتح الطرقات والردميات البحرية وإقامة المنتجعات والفيلات الساحلية.
ويعتبر أن المشروع الحالي لبناء فيلا فوق المغارة في عمشيت يشكل مثالاً واضحاً على هذا الخطر.
كما أن الفقمة حيوان خجول يخاف من الإنسان، خصوصاً خلال فترة التكاثر. فوجود نشاط بشري قريب أو ضجيج دائم في المنطقة قد يدفعها إلى مغادرة المكان نهائياً. ويزداد هذا التأثير في منطقة عمشيت بسبب طبيعة الصخور التي تنقل الذبذبات والضجيج بسرعة، ما قد يؤدي إلى توقف الفقمات عن استخدام المغارة والتكاثر فيها.
ولا تقتصر التهديدات على فقدان الموائل فقط، إذ يهدد التلوث البحري هذا الحيوان أيضاً، إضافة إلى حركة السفن السريعة التي قد تصطدم بالفقمات وتتسبب بنفوقها. ومع ذلك، يبقى الخطر الأكبر هو اختفاء الموائل الطبيعية المناسبة لها.
الوضع القانوني وحماية الساحل
وعن تأثير البناء فوق الكهوف الساحلية، يشير أبي راشد إلى أن الساحل اللبناني شهد خلال العقود الماضية تراجعاً كبيراً في مساحاته الطبيعية، إذ اختفى نحو 80% من الساحل الجميل الذي انطلقت منه الحضارة الفينيقية إلى العالم، وذلك نتيجة التوسع العمراني غير المنظم والردميات والبناء قرب الشاطئ أو فوقه.
ويؤكد أن القوانين اللبنانية توفر آليات لحماية الشاطئ، منها قانون حماية البيئة رقم 444 الصادر عام 2002، إضافة إلى مرسوم تنظيم أصول تقييم الأثر البيئي الصادر عام 2012، الذي يفرض إجراء دراسة تقييم أثر بيئي إلزامية قبل تنفيذ أي مشروع في موقع حساس بيئياً أو في حال وجود أنواع مهددة بالانقراض.
كما يلفت إلى أن لبنان وقع على اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط، إضافة إلى بروتوكول حماية المناطق الساحلية والتنوع البيولوجي، ما يشكل إطاراً قانونياً دولياً لحماية الشواطئ والحيوانات المهددة.
الخطورة المباشرة للبناء فوق المغارة
وحذر أبي راشد من أن أعمال الحفر القريبة جداً من المغارة، إضافة إلى ثقل البناء وحركة السير المستقبلية في الموقع، قد تؤدي إلى إلحاق ضرر مباشر بالكهف، نظراً إلى هشاشة الصخور في المنطقة. وفي حال تعرض الكهف للضرر أو الانهيار، فمن المرجح أن تتوقف الفقمات عن استخدامه نهائياً.
دعوات الجمعيات البيئية للحماية
وفي ظل هذا الوضع، أعلنت الجمعيات البيئية أنها وجهت نداءً باسم 21 مؤسسة وجمعية ونقابة ومركز دراسات، مطالبة بوقف الأعمال فوراً وإجراء دراسة تقييم أثر بيئي شاملة، إضافة إلى إعلان مغارة فقمة عمشيت ومحيطها محمية طبيعية.
ويؤكد الناشطون أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق السلطات المعنية، بما فيها البلدية ووزارة البيئة والزراعة والجهات القضائية، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية هذا الموقع الطبيعي الفريد ومنع فقدان أحد آخر موائل فقمة الراهب المتوسطية على الساحل اللبناني.

