
لبنان – مع استمرار الصراع الحالي، تعاني البلاد من آثار إنسانية وبيئية كبيرة. الصراع أودى بحياة الكثيرين، وأدى إلى نزوح آلاف العائلات، وتعطّل المجتمعات المحلية.
لكن الخطر لا يقتصر على الدمار الظاهر؛ فالتفجيرات والحرائق والذخائر تركت آثارًا طويلة الأمد على التربة والمياه والهواء، وقد تستمر هذه الآثار لفترة طويلة بعد انتهاء القتال.
حتى قبل التصعيد الأخير، كان لبنان يواجه تحديات بيئية متراكمة، مثل تلوث المياه، ضعف إدارة النفايات، تقلص الأراضي الزراعية، وتدهور جودة الهواء.
ولا تقتصر هذه الخسائر على الممتلكات أو المحاصيل فقط، بل تهدد أيضًا الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات في حياتها اليومية.
الأراضي الزراعية: الحقول المهجورة وبقايا المواد السامة
في جنوب لبنان، توقفت الحقول التي كانت تنتج الزيتون والأفوكادو ومحاصيل أخرى عن الإنتاج. ومنذ تصاعد القتال في أواخر 2023، ألحقت القذائف والحرائق والمواد المتفجرة أضرارًا بنحو 2193 هكتارًا من الأراضي الزراعية والغابات والمراعي. وفي بعض المناطق الأكثر تضررًا، يشير المزارعون إلى أن خسائر المحاصيل تجاوزت 80٪.
لكن الضرر لا يقتصر على ما تم إحراقه أو تدميره. فقد اضطر العديد من المزارعين لمغادرة أراضيهم، مما أدى إلى توقف مواسم الحصاد وترك البساتين بلا رعاية. والحقول التي كانت تدعم عائلات بأكملها أصبحت مهجورة، مما تسبب في انخفاض إنتاج الغذاء، تقلص فرص العمل في الريف، وانخفاض دخل المجتمعات المتضررة.
ووفقًا لبرنامج الغذاء العالمي، يواجه حوالي واحد من كل خمسة أشخاص في لبنان، أي نحو 1.17 مليون شخص، حالة انعدام أمن غذائي حاد، وهو وضع يزداد سوءًا مع انخفاض الإنتاج الزراعي.
وبعض الذخائر المستخدمة خلال الصراع تترك وراءها بقايا كيميائية يمكن أن تلوث التربة والنباتات، من بينها الفوسفور الأبيض، وهو مادة حارقة تشتعل عند ملامستها للأكسجين وتحترق بدرجات حرارة عالية جدًا. وعند استخدامها فوق الأراضي الزراعية أو الغابات، يمكن أن تؤدي إلى اندلاع حرائق وترك آثار سامة في التربة.
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استمرار استخدام الفوسفور الأبيض خلال الصراع الحالي. ففي 3 آذار 2026، تحققت المنظمة من تفجيرات جوية في مناطق سكنية في يهمور أدت إلى اشتعال المنازل والأراضي الزراعية المجاورة، وهو استخدام محظور بموجب القانون الدولي الإنساني.
المياه: التلوث وأضرار البنية التحتية
ويمكن أن تؤدي الانفجارات والحطام وبقايا الذخائر إلى تلوث الأنهار والجداول والمياه الجوفية، بينما يعرّض الضرر المباشر للبنية التحتية للمياه المجتمعات لانقطاع الإمدادات.
وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تضررت ما لا يقل عن 34 منشأة مائية بين تشرين الاول 2023 ومنتصف 2025، مما أثر على وصول أكثر من 400,000 شخص إلى المياه.
وتلوث المياه الناتج عن الحرائق والمواد المتفجرة يهدد الحياة المائية والصحة العامة. وتعاني المجتمعات النازحة التي تعتمد على الآبار أو الأنهار من مخاطر طويلة المدى، ويزيد من حدتها تضرر شبكات الصرف الصحي وكثافة السكان، مما يعقد التحديات البيئية والإنسانية في لبنان.
الهواء: التلوث ومخاطر الصحة
في بيروت ومدن أخرى، أصبح الهواء أثقل، مشبعًا برائحة الدخان الناجم عن الحرائق والقصف. وتحرر النباتات والمنازل والحقول المحترقة جزيئات دقيقة وبقايا كيميائية تنتشر عبر البلدات والوديان، لتستقر على التربة والمياه والجلد.
بالنسبة للعائلات النازحة، فإن المخاطر فورية. فالبيئات المكتظة في الملاجئ، مع الهواء الملوث، تعرض الناس لمشاكل تنفسية ومخاطر صحية طويلة المدى، بما في ذلك زيادة خطر الإصابة بالسرطان.
ما غالبًا ما يكون غير مرئي، مثل الضباب الكيميائي والغبار والدخان المستمر، يضاعف معاناة الحرب بصمت، ليشكل خطرًا مستمرًا يتبع الناس أينما ذهبوا.
الأنقاض والحطام وضغط السكان
تتراكم الأنقاض في البلدات والقرى، وهي بقايا منازل ومدارس وطرق تحولت إلى غبار وخرسانة مكسورة. وتختبئ ضمن هذه الحطام مواد خطرة، مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة والبلاستيك، التي تتسرب تدريجيًا إلى التربة والمياه، مخلقة مخاطر خفية ستستمر طويلًا بعد انتهاء القتال.
منذ أواخر 2023، ولّد الصراع ملايين الأمتار المكعبة من الحطام، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والسلطات المحلية. ويكافح نظام إدارة النفايات الهش في لبنان لمواجهة هذه الكمية، مما يجعل عمليات التنظيف تحديًا هائلًا ومستمرًا.
تشعر العائلات النازحة التي تعيش في مستوطنات مكتظة بالتأثير يوميًا. فشبكات المياه والصرف الصحي المتوترة، إلى جانب الحطام والتلوث المحيط، تزيد من مخاطر التلوث وتهدد الصحة العامة.
الطريق الطويل نحو التعافي
العواقب البيئية للحرب في لبنان، من تضرر الأراضي الزراعية وتلوث المياه إلى تلوث الهواء والحطام الخطير، طويلة الأمد ومعقدة، وغالبًا ما تكون لا رجعة فيها.
وعلى عكس المباني التي يمكن إعادة بنائها، تحتاج النظم البيئية إلى سنوات أو عقود للتعافي، ويمكن للتربة والمياه والهواء الملوّثين أن يؤثروا على الأمن الغذائي والصحة وسبل العيش لأجيال.
وفي بلد يواجه بالفعل ضغوطًا بيئية واقتصادية، ستتطلب رحلة التعافي ليس السلام فحسب، بل جهودًا دقيقة ومستدامة لإعادة التأهيل البيئي.


