النازحون يقيمون في خيمة على واجهة بيروت البحرية. (حقوق الصورة: محمد ياسين/ L'Orient Today)
النازحون يقيمون في خيمة على واجهة بيروت البحرية. (حقوق الصورة: محمد ياسين/ L'Orient Today)

لبنان - في ظلّ التصعيد الأمني المستمر منذ بداية آذار 2026، يواجه لبنان أزمة إنسانية متفاقمة مع نزوح ما يقارب مليون شخص من منازلهم إلى مراكز إيواء تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.

ويؤكد المحامي والباحث في مجال حقوق الإنسان فادي هاشم لانمائية أن "اضطرار الأفراد إلى مغادرة منازلهم والعيش في مراكز إيواء لا يتماشى أساسًا مع حقوق الإنسان"، مشيرًا إلى أن هذه المراكز، بطبيعتها، تشكّل حلًا اضطراريًا لا يمكن اعتباره بيئة مناسبة أو مستدامة للحياة الكريمة.

قدرة محدودة وأزمة متعددة الأبعاد

لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية حادة، غير قادر على تحمّل هذا الحجم من النزوح، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع داخل مراكز الإيواء، حيث ظهرت تحديات كبيرة تتعلق بالوصول إلى الغذاء، التعليم، والرعاية الصحية، إضافة إلى مخاطر متزايدة مرتبطة بالعنف الجسدي والمعنوي، خصوصًا بحق الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

ويشير هاشم إلى أن الدولة اللبنانية تفتقر إلى القدرة الكاملة لمراقبة جميع مراكز الإيواء، خاصة أن العديد منها يُدار بمبادرات فردية من متطوعين أو بلديات قامت بتأهيل مبانٍ مهجورة لاستقبال النازحين. وهذا الواقع يجعل من الصعب تكوين صورة دقيقة وشاملة عن أوضاع جميع هذه المراكز.

اكتظاظ وانعدام الخصوصية

ويقول هاشم انه "كما في الأزمات السابقة، تُستخدم المدارس كمراكز إيواء، حيث تعيش عائلات عدة داخل الصف الواحد، ما يحرم الأفراد من النوم بشكل لائق أو الحفاظ على النظافة الشخصية أو تأمين احتياجات الأطفال الأساسية.

وتؤدي هذه الظروف إلى أوضاع معيشية "مزرية"، بحسب هاشم، مع انتشار الأمراض في ظل ضعف القدرة الاستيعابية للمستشفيات التي تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية كبيرة.

النساء في مواجهة مضاعفة للأزمة

تُعد النساء من الفئات الأكثر تضررًا، في ظل غياب الخصوصية والخدمات الأساسية المتعلقة بالصحة الإنجابية، بما في ذلك مستلزمات الدورة الشهرية.

كما تفتقر مراكز الإيواء إلى مرافق صحية مناسبة ما يزيد من مخاطر التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي ويقيّد حرية تنقل النساء والفتيات.

وفي هذا السياق، تشير بيانات UNFPA إلى أن جزءًا من العائلات تلقى مساعدات، فيما اضطرت بعض النساء إلى مغادرة مراكز الإيواء للولادة. وتعمل منظمات المجتمع المدني على تقديم خدمات صحية متنقلة ودعم نفسي اجتماعي، خصوصًا للنساء الحوامل.

ويحذّر المحامي فادي هاشم من ارتفاع ملحوظ في معدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال الأزمات، بما في ذلك التحرش والاغتصاب، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى الحماية والخصوصية.

الأطفال: الفئة الأكثر هشاشة

الأطفال، الذين لم يتعافَ كثير منهم بعد من آثار حرب 2024، يواجهون اليوم صدمة جديدة. وتشير التقديرات إلى استخدام نحو 300 مدرسة كمراكز إيواء، ما يحرم أكثر من 100 ألف طفل من الوصول إلى التعليم.

وبحسب تقييم أُجري عام 2025، يعاني 72% من الأطفال من القلق والتوتر نتيجة الحرب، فيما تظهر على 62% منهم علامات حزن أو اكتئاب.

كما يتعرض الأطفال لضغوط نفسية وعاطفية حيث يعيشون في ظروف غير آمنة.

استجابة إنسانية غير كافية

تعتمد الاستجابة الحالية على محاولة "تسكير الحاجات قدر الإمكان"، وفق ما يوضح هاشم، وهي مقاربة معتمدة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية، لكنها تبقى غير كافية في ظل غياب القدرة الاستيعابية الكاملة.

ويشدد هاشم على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، أبرزها:

• تقليل الاكتظاظ عبر فتح مساحات إيواء إضافية.

• توسيع برامج الدعم النقدي لتمكين العائلات من استئجار مساكن بديلة أو الإقامة لدى أقارب.

• تحسين البنى التحتية داخل المراكز، بما يشمل المراحيض، أماكن الاستحمام، الإضاءة، وإدارة النفايات.

• إنشاء مرافق منفصلة وآمنة للنساء والفتيات.

• تعزيز آليات الحماية وتوفير عاملين اجتماعيين وإنشاء أنظمة واضحة لتقديم الشكاوى.

• توسيع الخدمات الصحية المتنقلة وتأمين الأدوية الأساسية، خاصة للأمراض المزمنة.

• توفير الدعم النفسي وبرامج التلقيح.

• حماية حق الأطفال في التعليم عبر إيجاد بدائل مثل التعليم المؤقت أو عن بُعد.

وختم هاشم بالتحذير من أن استمرار هذا الواقع من دون استجابة شاملة وسريعة سيؤدي إلى تفاقم الانتهاكات وتعميق الأزمة الإنسانية، مؤكدًا أن تحسين ظروف الإيواء لا يمكن فصله عن معالجة جذور النزاع، وأن تجاوز هذه المرحلة الحرجة يتطلب تحركًا فوريًا ومنسقًا بين الدولة والمجتمع المدني والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية قبل أن تخرج الأوضاع عن السيطرة.