
لبنان - في لبنان اليوم، أصبح فتح الحنفية تحديًا يوميًا يواجهه المواطنون في كل زاوية من البلاد. فمع كل محاولة للحصول على المياه، يتساءل الناس: هل ستتدفق المياه كما يجب، أم سنضطر مرة أخرى إلى الانتظار، والبحث عن طرق بديلة لتأمين حاجتنا الأساسية؟
وبينما يحتفل العالم باليوم العالمي للمياه، أصبح الشعور بعدم اليقين بشأن الحصول على المياه جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية لملايين اللبنانيين في مختلف المناطق. فالأسر تجد نفسها غير قادرة على الاعتماد على توافر المياه بشكل منتظم، مما يجعل حياتها اليومية مليئة بالتحديات.
ولم تنشأ أزمة المياه في لبنان مع اندلاع الحرب، بل تراكمت على مدى سنوات طويلة نتيجة سوء الإدارة، وتلوث الموارد المائية، والاستخدام المفرط لها.
وفي السنوات الأخيرة، دفعت الانهيارات الاقتصادية والتوترات الإقليمية، إلى جانب موجة النزاع الأخيرة، النظام الهشّ أصلاً إلى حافة الانهيار.
ولم تسلم البنية التحتية للمياه من الأضرار. فبحلول آذار 2025، تضرر أو دُمّر ما يُقدَّر بـ 64% من خزانات المياه المجتمعية، و58% من محطات الضخ، وما يقارب ربع محطات المعالجة.
وتُعدّ تكلفة هذه الخسائر هائلة، إذ تُقدّر بحوالي 171 مليون دولار في قطاع المياه وحده، وفقًا للبنك الدولي. لكن وراء هذه الأرقام تكمن أزمة أعمق وأكثر هدوءًا وهي التآكل التدريجي في الوصول إلى مورد أساسي للحياة.
اليوم، يواجه أكثر من 2.7 مليون شخص في لبنان تحديات جدّية في الحصول على مياه آمنة وكافية وبأسعار معقولة. وبالنسبة للعديد من الأسر، أصبح الحل هو اللجوء إلى صهاريج المياه الخاصة، وهو خيار قد تصل تكلفته إلى عشرة أضعاف الإمدادات العامة. فما كان يتدفق عبر الأنابيب، أصبح اليوم يُباع بسعر لا يستطيع الكثيرون تحمّله.
وخلف هذا الواقع يقف نظام يواجه ضغوطًا كبيرة. ومؤسسات المياه العامة تعمل بميزانيات محدودة وتعاني لتغطية تكاليف التشغيل الأساسية.
ومع انقطاع الكهرباء، تتوقف المضخات عن العمل بانتظام، ويزيد الاعتماد على الوقود المكلف من الأعباء المالية.
وفي الوقت نفسه، تؤدي الأضرار في البنية التحتية إلى تقليص حجم الخدمات، في حين تجعل الإيرادات المحدودة إصلاح الأضرار أمرًا صعبًا.
وهنا تبرز أهمية تمويل قطاع المياه. فالمياه لا تصل ببساطة إلى المنازل، بل تتطلب استثمارات وصيانة وطاقة ومؤسسات فعّالة. ومن دون تمويل مستدام، حتى أفضل الأنظمة معرضة للفشل.
وفي لبنان اليوم، تتسع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة، مما يدفع المجتمعات إلى الاعتماد بشكل متزايد على حلول موقتة ومكلفة.
ولا تقتصر التداعيات على مجرد الإزعاج. ففي المناطق المتأثرة بالنزاع والنزوح، يزيد محدودية الوصول إلى المياه الآمنة من خطر انتشار الأمراض، بما في ذلك احتمال عودة الكوليرا. وغالبًا ما تكون التجمعات غير الرسمية والفئات الأكثر ضعفًا هي الأكثر تضررًا، إذ تجد نفسها محصورة بين ارتفاع التكاليف وتراجع سهولة الوصول إلى المياه.
ومع ذلك، يمكن التعامل مع هذه الأزمة وحلّها إذا توفرت الموارد والإدارة المناسبة.
ويقف لبنان عند مفترق طرق، بين استمرار التدهور وإمكانية التعافي. فالاستثمار في البنية التحتية للمياه، وتقوية المؤسسات العامة، وضمان تمويل مستدام، ليست مجرد حلول تقنية، بل خطوات أساسية نحو الاستقرار والحفاظ على الكرامة والصحة العامة.
وفي اليوم العالمي للمياه، لم تعد المياه مجرد مورد طبيعي يُستَخدم يوميًا، بل تحوّلت إلى رمز للصمود في وجه التحديات، وللتفاوت الكبير في الحصول على الخدمات الأساسية، وللحاجة الملحّة إلى اتخاذ خطوات عاجلة لضمان الوصول العادل والمستدام إليها لجميع المواطنين.


