
العالم – من أكياس التسوق إلى منصات الأزياء الفاخرة، لم يعد البلاستيك مجرد مادة، بل أصبح جزءًا من عالم الموضة والأزياء، يظهر في أماكن لم يكن متوقعًا أن يصل إليها.
في قطاع الموضة، عاد البلاستيك للظهور ليس كنفايات، بل كعنصر تصميم، حيث يُعاد تشكيله ليصبح إكسسوارات وملابس وحتى قطعًا فاخرة.
ومؤخرًا، أثارت مواقع التواصل الاجتماعي جدلاً واسعًا بعد أن كشفت دار "بالينسياغا" عن حقيبة مستوحاة من الكيس البلاستيكي، بسعر 1,790 دولارًا، في إعادة ابتكار لمنتج بسيط كقطعة فاخرة.
ورغم أن هذا قد يُنظر إليه على أنه مجرد خطوة تسويقية، إلا أنه يفتح نقاشًا أوسع حول طرق تقييم واستخدام وإعادة ابتكار المواد مثل البلاستيك في أساليب الاستهلاك المعاصرة.
صعود البلاستيك في عالم الموضة
أصبح البلاستيك جزءًا من نحو 70% من إنتاج الملابس عالميًا.
بحسب تقرير صادر عام 2024 عن مؤسسة "تشينجينغ ماركتس"، أنتجت صناعة الأزياء حوالي 8.3 ملايين طن من النفايات البلاستيكية في عام 2019. وهذا الرقم يمثل حوالي 14% من إجمالي التلوث البلاستيكي الناتج عن جميع القطاعات.
وتشمل المواد المستخدمة بشكل واسع الألياف الصناعية مثل البوليستر والنايلون والأكريليك، والتي تهيمن على صناعة الأزياء. ولا يقتصر وجود البلاستيك على الملابس فقط، بل يدخل أيضًا في الملصقات والخيوط والأزرار والسحابات والبطانات وحتى الفرو الصناعي.
وفي نماذج "الموضة السريعة" التي تعتمد على إنتاج كميات كبيرة بسرعة، يكون الاعتماد على البلاستيك أكبر، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى 88% من المنتجات تحتوي على بلاستيك جديد. وهذا النظام ينتج ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية سنويًا.
وغالبًا ما يُشار إلى هذا التوجه باسم "الموضة البلاستيكية"، حيث تسهم الملابس الصناعية في التلوث بشكل كبير، إذ تطلق كميات كبيرة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة أثناء الغسيل، والتي تصل إلى البيئات البحرية.
وهذه المواد غير قابلة للتحلل الحيوي، وتبقى في الأنظمة البيئية لعقود، حيث تتحلل تدريجيًا إلى جزيئات أصغر بدلًا من أن تختفي.
المخاطر البيئية والصحية
تُطلق الملابس الصناعية كميات كبيرة من الألياف البلاستيكية الدقيقة في المياه العادمة، وتشكل ما بين 16% و35% من البلاستيك الدقيق في المحيطات.
وعند التخلص منها، تستمر هذه المواد في إطلاق جزيئات دقيقة، قد تصل إلى 1.4 مليون ليفة بلاستيكية مع مرور الوقت.
وعلى عكس الألياف الطبيعية، لا تتحلل المنسوجات الصناعية، بل تتراكم في المحيطات والتربة وسلاسل الغذاء، حيث يصعب إزالتها وتستمر في التفكك إلى جزيئات أصغر.
ولا يقتصر وجود هذه الجزيئات على البيئة فقط، بل تم العثور عليها أيضًا في الكبد والكلى والدماغ لدى الإنسان. ويتم ابتلاعها عبر الغذاء والهواء، وقد تسبب المواد الكيميائية فيها التهابات ومشكلات صحية أخرى.
وتشير الأبحاث إلى أن التعرض لها قد يرتبط بالالتهابات واستجابات بيولوجية ضاغطة، كما تثير بعض الدراسات مخاوف بشأن دورها المحتمل في اضطرابات تنفسية، رغم أن الآثار الصحية طويلة المدى لا تزال قيد الدراسة.
ورغم هذه المخاطر، لا يزال استخدام الألياف الصناعية في تزايد، مدفوعًا بانخفاض تكاليف الإنتاج، حيث تعتمد العديد من العلامات التجارية عليها بشكل متزايد.
الخسائر الاقتصادية للنفايات البلاستيكية
قد يكون إنتاج البلاستيك منخفض التكلفة، لكنه مكلف عند تحوله إلى نفايات.
ووفقًا للبنك الدولي، يتسبب التلوث البلاستيكي البحري بخسائر سنوية تعادل 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتتجاوز 2% في دول مثل جيبوتي وتونس واليمن.
وتؤثر هذه الخسائر على قطاعات اقتصادية رئيسية، إذ تُقدّر خسائر قطاع الصيد عالميًا بين 1.1 و5.6 مليارات دولار سنويًا، كما يتأثر قطاع السياحة نتيجة تلوث الشواطئ.
كما أن تكلفة الوقاية والتنظيف مرتفعة، حيث تقدر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن منع تسرب البلاستيك إلى المحيطات يتطلب استثمارات تتراوح بين 54 و74 مليار يورو.
وتتسبب النفايات البلاستيكية أيضًا بخسائر بيئية يصعب قياسها لكنها كبيرة اقتصاديًا، إذ قدّرت الأمم المتحدة للبيئة الأضرار السنوية على النظم البحرية بما لا يقل عن 13 مليار دولار، فيما قدّرت دراسة أحدث إجمالي الأضرار العالمية بحوالي 21.3 مليار دولار سنويًا في عام 2020.
بمعنى آخر، السعر المنخفض للبلاستيك لا يعكس تكلفته الحقيقية، إذ تنتقل الأعباء إلى الميزانيات العامة والاقتصادات الساحلية والأنظمة البيئية التي يصعب إصلاحها.
إعادة التفكير في المواد وأنماط الاستهلاك
تُعد الألياف الطبيعية مثل القطن والصوف والكتان بدائل للمواد الصناعية، إذ تتحلل بسهولة أكبر في البيئة. لكنها ليست خالية من التحديات، فالقطن مثلًا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه والأراضي.
وفي المقابل، بدأت بعض الشركات في استكشاف استخدام مواد معاد تدويرها، وتحسين خلطات الأقمشة، واعتماد عمليات إنتاج أكثر استدامة. كما يتم تطوير تقنيات للحد من تسرب الألياف الدقيقة أو تحسين إعادة تدوير المنسوجات، لكنها لا تزال مكلفة ومحدودة الانتشار.
وتشمل البدائل الأخرى أليافًا مثل القنب والكتان والليوسيل، وهي مشتقة من مصادر طبيعية أو خشبية، وتتميز بقدرتها الأكبر على التحلل مقارنة بالألياف الصناعية، كما أنها قد تملك أثرًا بيئيًا أقل عند إنتاجها بشكل مسؤول.
ومع استمرار أنماط الإنتاج التي تركز على السرعة والكميات الكبيرة والتكلفة المنخفضة، من المرجح أن يستمر الاعتماد على الألياف الصناعية.
وفي النهاية، لم يعد الأمر يقتصر على نوع المواد المستخدمة فحسب، بل يمتد إلى كيفية تقييمها ضمن أنماط الاستهلاك الأوسع.