
لبنان — لم يعد هناك متّسع لالتقاط الأنفاس في الاقتصاد اللبناني.
دخلت البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم بعد ما يقارب عقدًا من الصدمات المتراكمة، شملت الانهيار المالي عام 2019، وجائحة كوفيد-19، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، والحرب في عام 2024.
كانت تقارير حديثة قد أشارت إلى تعافٍ هش، مع تراجع معدلات التضخم وتوقعات بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 4% و6%. إلا أنه، ومع بروز مؤشرات خجولة على التعافي، اندلعت الحرب مجددًا، لتقضي على هذه الآفاق.
وعلى الرغم من الجهود المحدودة التي بذلتها الحكومة خلال العام الماضي لإطلاق بعض الإصلاحات، فإن التصعيد العسكري الأخير أدى إلى تأجيل الزخم الإصلاحي الضروري.
شكّلت حرب 2024 نقطة تحوّل في المسار الاقتصادي للبنان.
وبحسب البنك الدولي، بلغت الأضرار والخسائر الإجمالية نحو 14 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 225 مليون دولار يوميًا.
وقد تركز الدمار بشكل كبير في قطاعات أساسية:
استحوذ قطاع الإسكان وحده على 67% من إجمالي الأضرار، مع خسائر بمليارات الدولارات، في حين يُتوقع أن تكون عملية إعادة الإعمار بطيئة ومكلفة. وقد قُدّرت الأضرار بنحو 2.8 مليار دولار، والخسائر بنحو 389 مليون دولار.
تكبّد قطاعا التجارة والزراعة خسائر جسيمة، تجاوزت 1.7 مليار دولار و1.1 مليار دولار على التوالي، مع هجر نحو 12 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، ما أدى إلى تعطّل سبل العيش والنظم الغذائية.
انهار قطاع السياحة، الذي يساهم بما يصل إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، بشكل شبه فوري، مع تراجع النشاط السياحي بأكثر من 80%.
على عكس عام 2024، لا تزال حرب 2026 مستمرة، ولم تتوفر بعد تقديرات شاملة للخسائر الاقتصادية.
تشير دراسة سيناريو حديثة صادرة عن منظمة ميرسي كوربس إلى أن لبنان دخل هذا التصعيد وهو مثقل أصلًا بـ6.8 مليار دولار من الأضرار و7.2 مليار دولار من الخسائر الاقتصادية من الحرب السابقة.
كما تعكس نداءات التمويل الطارئ حجم الضغط المتزايد على الأنظمة والخدمات:
طلب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) تمويلًا بقيمة 308.3 مليون دولار لدعم نحو مليون شخص من أصل 1.3 مليون متضرر خلال ثلاثة أشهر فقط.
يواجه القطاع الصحي ضغطًا شديدًا؛ إذ أفادت منظمة الصحة العالمية بإغلاق 48 مركزًا للرعاية الصحية الأولية و5 مستشفيات، فيما لا يزال تمويل الاستجابة الصحية الإقليمية ناقصًا بنحو 70%.
تتسارع استجابة النزوح، حيث أطلقت المنظمة الدولية للهجرة (IOM) نداءً بقيمة 23 مليون دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة، بينما يسعى صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) للحصول على 12 مليون دولار لدعم 225 ألف شخص خلال ثلاثة أشهر.
ورغم أن هذه الأرقام لا تمثل تقديرات مباشرة للخسائر الاقتصادية، فإنها تشكّل مؤشرات مبكرة على حجم التعطّل في البنية التحتية والخدمات وسبل العيش.
بدأت تداعيات حرب 2026 على الاقتصاد اللبناني بالظهور بوضوح.
تُعدّ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من بين الأكثر تضررًا؛ إذ أُغلق نحو 30% منها بشكل دائم بحلول الربع الأول من عام 2026، نتيجة ارتفاع التكاليف بالدولار وتراجع الطلب، وفقًا لصحيفة الشرق الأوسط.
أما المؤسسات التي لا تزال تعمل، فتعمد إلى خفض الأجور، وتقليص ساعات العمل، وإدارة التدفقات النقدية بحذر يومي.
ارتفعت معدلات البطالة إلى ما بين 46% و48%، مدفوعة بإغلاق الشركات وصعوبة تكيف القطاعات الإنتاجية مع ارتفاع التكاليف.
كما تراجع النشاط التجاري بنحو 50%، مع انخفاض مبيعات السلع غير الأساسية بنسبة تتراوح بين 60% و80%، ما يعكس تدهور القدرة الشرائية، وفقًا لصحيفة النهار.
انخفض النشاط الصناعي بنحو 50%، مع توقف المصانع وتعطّل الصادرات.
تراجع القطاع الزراعي بنحو 40%.
انخفض قطاع الخدمات، أحد أعمدة الاقتصاد، بنسبة تتراوح بين 40% و50%.
أما قطاع السياحة، فقد انهار تقريبًا، مع تراجع إشغال الفنادق إلى ما بين 10% و15%. كما انخفض نشاط المطاعم بنسبة 90%، وتراجعت أعمال وكالات السفر وتأجير السيارات بنسبة تصل إلى 80% و95% على التوالي.
حتى القطاع العقاري تأثر بشدة، مع تراجع العرض والطلب بنحو 90%.
في الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ؛ إذ زادت أسعار المازوت بنسبة 42% والبنزين بنسبة 17% خلال عشرة أيام فقط، مع توقع ارتفاع تعرفة المولدات بنسبة 35%، ما يزيد الضغط على الوصول إلى الطاقة لكل من الأسر والشركات.
ومن المتوقع أن يرتفع التضخم بنسبة إضافية تتراوح بين 2% و4% خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
ورغم استقرار الليرة اللبنانية نسبيًا بفضل احتياطات الدولار وإدارة السيولة، فإن تباطؤ النشاط الاقتصادي وارتفاع التكاليف يفرضان ضغوطًا متزايدة على سعر الصرف، ما يثير مخاوف بشأن استدامته.
تعكس هذه المؤشرات تعمّق الركود، مدفوعًا بالدمار المادي، وتراجع الطلب، وارتفاع التكاليف، إلى جانب هشاشة هيكلية وأزمات إنسانية متفاقمة.
إن الكلفة الاقتصادية للحرب في تصاعد مستمر، حتى وإن لم تُحتسب بالكامل بعد.
يدخل لبنان هذه المرحلة بمؤسسات ضعيفة واقتصاد يعمل دون طاقته الكاملة. وتُختبر اليوم قدرته على الصمود وحدود ما يمكنه تحمّله من صدمات إضافية. لم تعد هذه أزمة مؤقتة، بل تحوّل نحو انكماش أعمق وأكثر امتدادًا.