فتاة تحمل الماء قرب صهريج
فتاة تحمل الماء قرب صهريج

لبنان – في عام 2025، شهد لبنان تراجعًا حادًا في معدلات هطول الأمطار، إذ انخفضت بنحو 45% عن المعدل الطبيعي، ما أدخل البلاد في واحدة من أشد موجات الجفاف خلال العقود الستة الماضية. وقد فرض هذا الواقع ضغطًا غير مسبوق على الموارد المائية، مع تراجع حاد في الاحتياطات والمياه الجوفية إلى مستويات حرجة، في وقت تتهاوى فيه أنظمة الإمداد العامة، وتجد المجتمعات نفسها مضطرة للاعتماد بشكل متزايد على مصادر مياه غير آمنة.

وقد أدى هذا الوضع، إلى جانب النزوح الجماعي للسكان وضعف البنية التحتية نتيجة النزاع، إلى خلق ظروف مثالية لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه.

ما هي الأمراض المنقولة عبر المياه؟

الأمراض المنقولة عبر المياه هي أمراض تسببها جراثيم مثل البكتيريا والفيروسات والطفيليات، وتنتقل عبر المياه الملوثة. وتنتشر بشكل رئيسي عن طريق شرب المياه الملوثة، أو الاستحمام بها، أو استخدامها في تنظيف الجسم أو تحضير الطعام. وتشمل هذه الأمراض: الكوليرا، التهاب الكبد الوبائي A، وحمى التيفوئيد.

عبء متزايد

لبنان يواجه منذ سنوات تزايدًا في حالات الأمراض المنقولة عبر المياه، وكان تفشي الكوليرا عام 2022 من أبرز هذه الأحداث، حيث أسفر عن وفاة 23 شخصًا من بين 671 حالة مؤكدة مخبريًا.

وفي عام 2025، أفادت وزارة الصحة العامة بتسجيل 1,379 حالة من التهاب الكبد A و42 حالة من حمى التيفوئيد. وتُسهم عوامل أساسية مثل ضعف البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة (WASH)، والتلوث الواسع للموارد المائية الطبيعية، وعدم القدرة على شراء المياه النظيفة، في ظهور هذه الأمراض وانتشارها.

وبحسب اليونيسف، يعيش أكثر من 71% من السكان في لبنان ضمن مستويات "حرجة" أو "بالغة الخطورة" من هشاشة المياه، ما يعني أنهم يواجهون مخاطر كبيرة نتيجة التغيرات في كمية المياه وإمكانية الوصول إليها وتوفرها.

ومن بين المخاوف الأخرى، يُعد الاستخدام غير القانوني لمياه الصرف الصحي الملوثة في الزراعة أمرًا خطيرًا، إذ ارتبط بوقوع حالات تسمم غذائي وزيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. وقد لوحظ بشكل خاص وجود بكتيريا الإشريكية القولونية متعددة المقاومة في مياه الري، ما يشكل تهديدًا للمحاصيل والمستهلكين والنظام البيئي بأكمله.

الوضع الراهن

حتى آذار 2026، يشهد لبنان تصاعدًا جديدًا في النزاع، ويعيش عدد كبير من النازحين في مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى خدمات كافية للمياه والصرف الصحي والنظافة. ومع تدمير البنية التحتية للمياه وتوقع انقطاع الإمدادات في مناطق مثل جنوب لبنان والنبطية وصور، يزداد خطر انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه، بما في ذلك حالات الإسهال الحاد.

وتُعد هذه المخاطر الصحية أكثر خطورة على الأطفال الصغار وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة.

آليات الرصد والاستجابة الطارئة

ورغم خطورة الوضع، تُبذل جهود كبيرة للتصدي للمخاطر الصحية المتصاعدة. فقد قامت فرق الاستجابة الطارئة التابعة لليونيسف بدعم خدمات المياه والصرف الصحي في مركز الإيواء بمدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت، من خلال توزيع 66 مجموعة تنظيف لتعزيز التشغيل الآمن، وتوفير 560 مترًا مكعبًا من المياه عبر صهاريج التوزيع، إضافة إلى تنفيذ جلسات توعية حول ممارسات النظافة لأكثر من 11,650 نازحًا.وفي عام 2025، تم تطوير خريطة مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، التي تدمج بين مؤشرات هشاشة الجفاف وعدد السكان والوصول إلى المياه وأنظمة المراقبة والصرف الصحي، بهدف تحويل لبنان من الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى الوقاية الاستباقية.

وبالتوازي مع هذه المبادرة، أطلقت وزارة الصحة العامة، بالتعاون مع البلديات والمستشفيات ومنظمات دولية مثل منظمة الصحة العالمية في لبنان والمنظمة الدولية للهجرة، عدة آليات طارئة للرصد والاستجابة.

ومع استمرار دخول المساعدات الإنسانية إلى لبنان، يبقى ضمان الوصول إلى مياه نظيفة، وتأمين خدمات المياه والصرف الصحي في جميع مراكز الإيواء، وضمان سلامة الغذاء، وتعزيز أنظمة المراقبة للأمراض المعدية، من الأولويات الأساسية.

المستقبل يتطلب أكثر من مجرد استجابة فورية، فهو يستلزم استثمارًا مستدامًا في البنية التحتية والأنظمة التي تضمن حماية الصحة العامة على المدى الطويل.