تعمل منظمة "فود بليسد"، وهي منظمة غير ربحية يقودها المجتمع المحلي، على دعم العائلات النازحة التي أُجبرت على ترك منازلها.
تعمل منظمة "فود بليسد"، وهي منظمة غير ربحية يقودها المجتمع المحلي، على دعم العائلات النازحة التي أُجبرت على ترك منازلها.

بيروت – لم يعد انعدام الأمن الغذائي في لبنان مجرد مسألة جوع يومي، بل أصبح تهديدًا يطال حياة الناس وكرامتهم بشكل مباشر، ويؤثر على قدرتهم على تلبية أبسط احتياجاتهم الأساسية في ظل أزمة متفاقمة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تعمل منظمة "فود بليسد"، وهي منظمة غير ربحية يقودها المجتمع المحلي، على دعم العائلات النازحة التي أُجبرت على ترك منازلها.

ووفقًا لليونيسف في لبنان، فإن نحو 20٪ من سكان البلاد نازحون حاليًا، ما يفرض تحدّيًا مستمرًا في تأمين المساعدات لملايين الأشخاص، في ظل نقص متواصل في الموارد.

وتقول مؤسِّسة المنظمة والمديرة التنفيذية، مايا ترو، إن التحدي معقد بقدر ما يتطلب الاستجابة العاجلة.

وأوضحت ترو لموقع إنمائية أن التحدي الأكبر يكمن في تقلبات الوضع، حيث تتغير الاحتياجات بشكل دائم بينما يبقى التمويل محدودًا.

وشهدت التبرعات ارتفاعًا في الأيام الأولى للأزمة، إلا أن هذا الدعم قل تدريجيًا. وذكرت ترو أنه "في البداية تلقينا الكثير من التبرعات، لكن مع مرور الأسابيع بدأت تقل". كما أدى ارتفاع أسعار المواد إلى مزيد من الصعوبات في العمليات.

المخاطر التي يواجهها المتطوعون

بعيدًا عن التمويل، يواجه الواقع الميداني تحديات كبيرة. فكما هو الحال في العديد من منظمات المجتمع المدني، تعتمد "فود بليسد" على متطوعين يديرون بشكل يومي تأمين وتوزيع المساعدات، وسط مخاطر أمنية تزيد من تعقيد المهمة.

وأخبرتنا ترو عن حادثة قريبة تعرّض خلالها أحد المتطوعين لإصابات جراء انفجار وقع أثناء أداء واجبه الإغاثي.

وعلى عكس العديد من جهود الإغاثة التي تركز على توزيع الوجبات اليومية، تعتمد "فود بليسد" نهجًا أكثر شمولية، يركز على الاستدامة في كل جانب من عملها.

وتضيف ترو: "نركز على الاحترام والجودة في كل جانب من عملنا، فالأمر لا يقتصر على توزيع الطعام فقط، بل على ضمان أن كل ما نقدمه مغذٍ، عالي الجودة، ومُجهز بعناية".

ويؤكد الفريق على أهمية احترام خصوصية المستفيدين. وتقول تيرو: "نادراً ما نصوّر عمليات التوزيع احترامًا لخصوصية الناس، وعندما نفعل ذلك، نحرص على إخفاء الوجوه".

وجُهزت المساعدات لتغطية احتياجات تتجاوز الاحتياجات اليومية، فمجموعات الوجبات الجاهزة تكفي عائلة من أربعة أفراد لمدة خمسة إلى سبعة أيام، وتشمل المواد الأساسية مثل الحليب ومستحضرات النظافة.

وأضافت ترو: "نحضّر أيضًا مجموعات نظافة تكفي العائلة لما يقارب الشهر، وتشمل المستلزمات الأساسية ومنتجات النظافة الشخصية للنساء".

وتوفر "فود بليسد" للعائلات القادرة على الطهي حصصًا غذائية شهرية تكفي العائلة لحوالي أربعة أسابيع، وأوضحت تيرو: "نسعى لتقديم أكثر من وجبة واحدة، فهدفنا دعم العائلات بشكل مستمر لأيام وأسابيع".

دعم شامل للعائلات

اختارت "فود بليسد" دعم عدد أصغر من العائلات، حوالي 200 عائلة، لضمان تلبية جميع احتياجاتهم بشكل كامل.

وقالت ترو: "ندعم كل عائلة ونؤمن جميع احتياجاتها الأساسية: الأدوية، الحفاضات، حليب الأطفال، البطانيات، مستلزمات النظافة، والوجبات الجاهزة".

ويسمح التركيز على عدد محدد من العائلات بتحقيق تأثير مستدام، وأوضحت ترو: "عندما ندعم العائلات في جميع احتياجاتها، نضمن ثبات وضعهم لفترة أطول".

كما تقوم المنظمة بتقييم عملها بشكل مستمر بدءًا من تحديد الاحتياجات قبل التدخل وإعادة المراجعة بعده لفهم المطلوب وتعزيز الأداء.

أولويات تتجاوز توزيع الطعام

تعتبر ترو أن إحدى أكبر الثغرات في نظام المساعدات في لبنان اليوم هي التركيز المفرط على توزيع الوجبات لفترات قصيرة فقط.

وأشارت إلى أن التركيز على تقديم الطعام كان خلال فترة رمضان، بينما تظل العائلات بدون دعم في الأوقات الأخرى، وهذا يضاعف من صعوبة الوضع بالنسبة للفئات الضعيفة.

ولفتت إلى أن هناك أشخاصًا لا يستطيعون الصوم أو يحتاجون للطعام طوال اليوم، ومع ذلك لا يحصلون على أي دعم.

وتؤكد ترو أن الطعام يشكل جزءًا فقط من الأزمة، فالعائلات تحتاج أيضًا إلى الأدوية، والمأوى، ومستلزمات الأطفال، ومنتجات النظافة، رغم أن هذه الاحتياجات غالبًا ما تُهمل.

وفي بعض الحالات، تكون هذه الاحتياجات ذات أولوية أعلى من الطعام، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمستلزمات النظافة للنساء أو تغذية الأطفال وحفاضاتهم.

واقع مقلق

ترو تصف وضع الأمن الغذائي في لبنان بأنه "في حالة حرجة" حتى قبل التصعيد الأخير.

وأضافت: "كانت العائلات بالفعل تكافح بسبب الأزمة الاقتصادية، والوضع الحالي زاد الأمر سوءًا".

واليوم، يلجأ الكثيرون إلى آليات مواجهة مثل تخطي الوجبات أو تقليل حجمها أو الاعتماد على طعام منخفض الجودة، وهذه السلوكيات أصبحت شائعة لكنها مقلقة.

وبالنسبة للعائلات النازحة، الوضع أصعب، فحتى لو كان بإمكانهم شراء الطعام، فالعديد منهم لا يمتلكون مطابخ، مما يجعل إعداد الطعام مستحيلًا.

كما يزيد نقص التنسيق في تقديم المساعدات صعوبة الوضع، إذ تتلقى بعض العائلات دعماً بينما تُحرم عائلات أخرى من أي مساعدات.

الأمن الغذائي جزء من أزمة أوسع

تقدم منظمات مثل "فود بليسد" دعمًا للعائلات النازحة، لكن ترو تؤكد أن المساعدات الإنسانية وحدها لا تكفي، مشددة على حاجة لبنان للانتقال من الاستجابة الطارئة إلى حلول طويلة الأمد ومنهجية. ويشمل ذلك تحسين فرص العمل، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وضمان الحقوق الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم، فالأمن الغذائي ليس قضية منفصلة، بل جزء من أزمة أوسع تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والصحية.

وتؤكد ترو أن المساعدات الإنسانية ضرورية للفئات الأكثر ضعفًا، لكنها لا تمثل الحل الدائم للأزمة.

ورغم التحديات المستمرّة، تظل جهود المنظمات الإنسانية مثل "فود بليسد" شريان حياة للفئات المهمّشة، مؤكدة أن السعي نحو حلول طويلة الأمد هو الطريق لضمان الأمن الغذائي والاستقرار في لبنان.