
لبنان – النزاع في لبنان لم يعد يقتصر تأثيره على الخدمات الإنسانية في الخطوط الأمامية، بل امتد ليهدد الأنظمة الحضرية الأساسية، وتبرز النفايات كمؤشر واضح على حجم هذا العبء.
ومع نزوح أكثر من مليون شخص في أنحاء البلاد، بينهم 136,262 نازحًا يقيمون في 663 مركز إيواء جماعي، تجد البلديات نفسها مضطرة لتقديم الخدمات لسكان تتغير أعدادهم واحتياجاتهم بسرعة، باستخدام أنظمة كانت تعاني أساسًا من ضغط شديد قبل التصعيد الأخير.
وفي هذا السياق، لا تُعدّ النفايات الصلبة مسألة ثانوية، بل تشكّل مقياسًا يوميًا لكيفية تأثير الأزمة على الصحة العامة، وكفاءة البلديات، والمخاطر البيئية في لبنان.
نظام هش ومثقل بالأعباء
كان نظام إدارة النفايات في لبنان هشًا بالفعل قبل التصعيد الأخير. فمسودة الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة تقدّر أن لبنان كان ينتج نحو 5600 طن من النفايات البلدية يوميًا في عام 2022، مقارنةً بحوالي 7300 طن في عام 2018، نتيجة تراجع الاستهلاك بسبب الأزمة الاقتصادية.
إلا أن هذا الانخفاض في الكميات لم يجعل النظام أكثر صحة أو استقرارًا.
وتُظهر تقييمات البنك الدولي أن نحو 8% فقط من النفايات كانت تُعالج في منشآت عاملة، في حين ارتفعت نسبة الرمي العشوائي من 22% في عام 2018 إلى نحو 42–43% في عام 2023.
كما ظهر ما لا يقل عن 104 مكبات عشوائية جديدة منذ عام 2016، ويخضع نحو ربعها لعمليات حرق مكشوف، ما يخلّف آثارًا مباشرة على جودة الهواء والتربة والمياه والصحة العامة.
وقد شكّل تعطّل مطمر الجديدة مؤخرًا تحذيرًا واضحًا لمدى سرعة تحوّل الضغط إلى انهيار ملموس. ففي شباط 2026، توقفت عمليات جمع النفايات في المتن وكسروان بعد إغلاق المطمر، ما ترك نحو 1100 طن من النفايات اليومية من دون مسارها المعتاد للتخلص منها، إلى أنه أعيد فتح الموقع في اليوم التالي.
ورغم أن الحادثة كانت قصيرة الأمد، فإنها كشفت واقعًا أعمق: فجزء كبير من نظام إدارة النفايات في لبنان لا يزال يعتمد على مواقع مثقلة بالأعباء، وتمديدات طارئة، وحلول قصيرة الأجل بدل التخطيط المستدام والمرن.
لماذا غيّر النزوح المعادلة؟
تكشف الأزمة الحالية ما يحدث عندما يفقد هذا النظام ما تبقى لديه من قدرة احتياطية محدودة. فالتقييم البيئي الأخير للبنك الدولي يستخدم تقديرًا تخطيطيًا يبلغ 0.75 كيلوغرام من النفايات لكل نازح يوميًا.
وعند تطبيق هذا التقدير على أعداد النازحين الحالية، فهذا يعني أن النزاع يولّد مئات الأطنان الإضافية من النفايات يوميًا التي يجب إيجاد طريقة لإدارتها.
أما في مراكز الإيواء الجماعية، فإن الضغط يكون أكثر فورية، إذ إن المدارس والمباني العامة لم تُصمَّم أساسًا لتعمل كمساكن دائمة.
ومع أزمة النزوح الحالية، باتت هذه المرافق مضطرة لاستيعاب إنتاج يومي من النفايات واحتياجات الصرف الصحي وتغطية خدمية غير منتظمة في الوقت نفسه.
صيدا مثال واضح
تقدّم مدينة صيدا مثالًا واضحًا على كيفية تحوّل النزوح إلى ضغط إضافي على أنظمة النفايات المحلية.
فحتى 25 آذار 2026، سجّلت الأرقام البلدية 13,214 نازحًا يقيمون في 26 مركز إيواء جماعي داخل المدينة.
وبمعدل إنتاج للنفايات يبلغ 0.8 كيلوغرام للفرد يوميًا، فإن هذه الفئة وحدها تولّد أكثر من 10 أطنان من النفايات الإضافية يوميًا.
وتشير تقديرات تشغيلية محلية مستندة إلى مراقبة النفايات لدى المركز الوطني للإنذار المبكر وإدارة الكوارث (NTCC) إلى أن النفايات البلدية في مدينة صيدا ارتفعت من نحو 80 طنًا يوميًا إلى 100 طن يوميًا.
وعلى مستوى اتحاد بلديات صيدا الزهراني، ربما ارتفعت الكميات من نحو 160 طنًا يوميًا إلى 225 طنًا يوميًا مقارنة بالمستويات المعتادة.
وبالاستناد إلى الافتراضات القياسية لإنتاج النفايات، فإن هذه الزيادة تعادل وجود نحو 25 ألف شخص إضافي في مدينة صيدا، وقرابة 81,250 شخصًا إضافيًا على مستوى اتحاد صيدا الزهراني.
وهذا يشير إلى عبء خدمي أوسع لا تسببه مراكز الإيواء الجماعية فقط، بل أيضًا العائلات النازحة التي تقيم في منازل مستأجرة أو لدى أقارب أو في ترتيبات غير رسمية أخرى.
وفي كانون الثاني الماضي، حذّرت لجنة البلدية من أن مركز المعالجة في المدينة يعاني من اكتظاظ شديد بسبب تراكم النفايات القادمة من صيدا واتحادها، إضافة إلى نفايات واردة من خارج المنطقة.
الحاجة إلى إجراءات فورية
ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد الاعتراف بالمشكلة، بل اتخاذ إجراءات فعلية. فقطاع إدارة النفايات في لبنان يتطلب دعمًا فوريًا وموجّهًا للحفاظ على الخدمات الأساسية في المدن والمجتمعات التي تواجه ضغطًا استثنائيًا.
وتحتاج البلديات والمشغّلون إلى الوقود والمعدات وقطع الغيار والصيانة والتمويل التشغيلي للحفاظ على عمليات الجمع والمعالجة ومنع حدوث انهيارات قد تؤدي إلى مخاطر صحية وبيئية أوسع.
كما يجب التعامل مع إدارة النفايات في مراكز الإيواء والمجتمعات المضيفة بوصفها جزءًا أساسيًا من الاستجابة الإنسانية، لأن فشل هذه الأنظمة يخلّف عواقب تتجاوز بكثير حدود الشوارع.
لذلك، فإن دعم هذا القطاع ليس استثمارًا ثانويًا، بل خطوة أساسية لحماية الصحة العامة، والحفاظ على قدرة الخدمات المحلية، وتقليل خطر أزمة حضرية أعمق وطويلة الأمد.


