زجاجات بلاستيكية تلوث الشاطئ.
زجاجات بلاستيكية تلوث الشاطئ.

لبنان – في لبنان، لم تعد المياه المعبأة مجرد رفاهية، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للبقاء على قيد الحياة. ويعتمد 69.1% من الأسر على المياه المعبأة كمصدر رئيسي للشرب، بينما يعتمد 21% فقط أساسًا على مياه الصنابير.

وفي بلد تضرر من النزاعات وضعف البنية التحتية، أصبح الوصول إلى المياه الآمنة صراعًا يوميًا، وأصبح الاعتماد على المياه المعبأة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

الثمن البيئي لزجاجة البلاستيك

يزداد تأثير المياه المعبأة على البيئة عندما تُباع في عبوات صغيرة. وفي لبنان، تُباع الآن زجاجات بسعة 150 مل و330 مل إلى جانب الأحجام الكبيرة. والزجاجات الصغيرة قد تبدو سهلة الاستخدام يوميًا، لكنها تسبب مشاكل أكثر لأنها تحتاج إلى بلاستيك وأغطية وملصقات أكثر لنفس كمية الماء.

والأسرة التي تعتمد على المياه المباعة في عبوات صغيرة جدًا تنتج نفايات أكثر بكثير مقارنة بأسرة تشتري نفس الكمية في زجاجات أو غالونات أكبر.

ويزداد هذا القلق في بلد يعاني أساسًا من ضعف نظام إدارة النفايات. وقد أشارت مسودة الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة لعام 2024 إلى أن لبنان أنتج نحو 5600 طن من النفايات البلدية يوميًا في عام 2022، في حين لم يُعالج سوى 7.9% منها في مرافق تشغيلية.

وشكّل البلاستيك الصلب والناعم والفوم نحو 77.7% من النفايات البحرية التي جُمعت على الشواطئ اللبنانية. لذلك، ورغم أن زجاجات المياه قابلة لإعادة التدوير من الناحية التقنية، فإن كثيرًا منها ينتهي في المطامر أو يُحرق أو يتسرّب إلى البيئة.

عندما تصبح زجاجة الماء مصدر قلق صحي

ورغم أن إعادة استخدام الزجاجات قد تساعد الأسر على تقليل التكاليف، فإنها تثير أيضًا مخاوف تتعلق بالنظافة واحتمال التعرض الطويل الأمد للبلاستيك.

وغالبًا ما تُعاد تعبئة الزجاجات المستخدمة سابقًا للماء أو العصائر أو المشروبات الغازية وتُحتفظ بها للاستخدام المتكرر. وعلى الرغم من أن هذا قد يساعد الأسر على توفير المال، فإنه يثير تساؤلات حول النظافة والتعرض الطويل الأمد للبلاستيك.

وأظهرت أبحاث حديثة أن لترًا واحدًا من المياه المعبأة يحتوي في المتوسط على حوالي 240,000 جزيء بلاستيكي، معظمها جزيئات نانوية. كما تحذر السلطات الصحية من أن إعادة استخدام الزجاجات الرقيقة ذات الاستخدام الواحد من دون تنظيف مناسب قد يشكل مخاطر إضافية.

التكلفة الاجتماعية والاقتصادية للأسر

وفقًا لتقارير حديثة عن الحق في الوصول الى المياه في لبنان، قد تنفق الأسر الفقيرة ما يصل إلى 15% من دخلها على المياه، مقارنة بحوالي 3% للأسر الأغنى.

وتشير نفس التقارير إلى أنه من كانون الثاني 2021 حتى أيلول 2023، ارتفعت أسعار المياه المعبأة بنسبة 16% بالدولار الأميركي و2,598% بالليرة اللبنانية.

ورغم أن الزجاجات الصغيرة قد تبدو أرخص في البداية، فإنها غالبًا ما تكون أعلى كلفة لكل لتر، وتعكس مشكلة أعمق: إذ يدفع الناس ثمن المياه في عبوات بلاستيكية لأنهم لم يعودوا يثقون بقدرة شبكة المياه العامة على توفير مياه آمنة للشرب.

النزوح وزيادة العبء على قطاع النفايات

هناك عامل آخر يزيد من تعقيد الأزمة وهو النزاع الأخير، الذي لا ينفصل عن مشكلة النفايات الصلبة في لبنان. فبحلول 26 آذار، كان أكثر من 136,201 شخص يقيمون في 669 مأوى جماعي، وأكثر من مليون شخص مشردين. ولم تعد المساعدات المتعلقة بالماء والغذاء والنظافة توزع بشكل متقطع، بل أصبحت جزءًا من البقاء اليومي.

وهذا يعني أيضًا زيادة في تدفق البلاستيك قصير العمر والتغليف المختلط. وقالت اليونيسف إن آلية الاستجابة السريعة التابعة لها وصلت إلى 167,200 شخص مشرد، ووزعت 344,339 زجاجة مياه بسعة 1.5 لتر إلى جانب مجموعات النظافة وغيرها من الضروريات.

وفي الوقت نفسه، تقدم العديد من المنظمات وجبات ساخنة، وطرود غذائية جاهزة للأكل، وخبز، ووجبات خفيفة للأسر المتضررة، ويظهر أحد تقاريرها الميدانية في آذار مشردين يجمعون وجبات ساخنة في حاويات بلاستيكية في مأوى في بيروت.

ويمكن استنتاج أن استجابة الملاجئ لا تولد فقط نفايات زجاجات المياه، بل عبئًا أوسع يشمل تغليف الطعام والحاويات الاستهلاكية.

وفي حالات الطوارئ، غالبًا ما تترك السرعة والنظافة والنقل والتوافر الفوري مجالًا محدودًا لاختيار التعبئة المثالية. ولكن إذا استمرت الأزمة، فإن لبنان يواجه خطر تحويل حاجة إنسانية عاجلة إلى أزمة نفايات أخرى، خاصة في بلد يُعالج فيه فقط 7.9% من النفايات المنتجة في مرافق تشغيلية.

ومن الخطوات العملية الممكنة هي تجربة أنظمة جمع وفرز النفايات في الملاجئ الكبرى، مع تخصيص جمع زجاجات المياه وحاويات الوجبات وبقية التغليف قبل خلطها مع النفايات العامة أو طمرها أو حرقها.

في لبنان، أصبحت المياه المعبأة نقطة التقاء بين قضايا البيئة والصحة وعدم المساواة وضعف البنية التحتية. والمشكلة لا تقتصر على شراء الناس للمياه المعبأة، بل تكمن في محدودية الخيارات المتاحة أمامهم، وكل زجاجة، ظهرت مؤخرًا في السوق، تزيد من عبء قطاع النفايات الذي يكافح البلد لإدارته.