
لبنان - بينما يحتفل العالم باليوم الدولي للرياضة من أجل التنمية والسلام في السادس من نيسان، تبرز الرياضة ليس فقط كنشاط ترفيهي، بل كأداة للتغيير الاجتماعي وبناء المجتمعات وتعزيز السلام.
في مقابلة مع إنمائية، تستعرض خبيرة حلّ النزاعات نورما واكيم كيف يمكن للرياضة أن تشكّل محرّكًا فعّالًا للتنمية وأن تُسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
وقالت واكيم إن هذا اليوم يشكل تذكيراً عالمياً بالدور الذي يمكن أن تلعبه الرياضة في المجتمعات التي تعاني من النزاعات والانقسامات. وأضافت: "الرياضة ليست مجرد لعبة، بل وسيلة قوية لجمع الناس معاً، خصوصاً في عالم يشهد صراعات وانقسامات وحروباً. فهي تُظهر كيف يمكن توظيف الرياضة لبناء السلام ونشر الأمل وتعزيز التواصل بين المجتمعات".
الرياضة كأداة للتنمية
إلى جانب كونها نشاطاً ترفيهياً، شددت واكيم على أن الرياضة قادرة على تعليم مهارات حياتية أساسية. فمن خلال الأنشطة المنظمة، يمكن للشباب تطوير مهارات المرونة والعمل الجماعي والتواصل والانضباط والقيادة وتحديد الأهداف.
وقالت: "عندما تُستخدم الرياضة بشكل مقصود ومدروس، فإنها تصبح أداة للتعلم. فهي تمكّن الشباب، بما في ذلك الشابات، كما يمكن أن تسهم في الحد من العنف عبر توفير بدائل إيجابية وطرق بنّاءة لمشاركة الشباب في المجتمع".
بناء مجتمعات شاملة
وترى واكيم أن الرياضة يمكن أن تسهم أيضاً في تعزيز تماسك المجتمعات من خلال توفير مساحات آمنة يلتقي فيها أشخاص من خلفيات مختلفة ويتفاعلون ويبنون الثقة فيما بينهم.
وأضافت: "عندما تُصمم الأنشطة الرياضية بهدف واضح، فإنها تساعد على كسر الحواجز بين الفئات الاجتماعية والثقافات والاختلافات الجندرية. كما تخلق شعوراً بالانتماء ليس لمجموعة معينة فحسب، بل للمجتمع بأكمله".
دعم أهداف التنمية
وأشارت واكيم إلى أن الرياضة يمكن أن تسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تحقيق عدد من أهداف التنمية المستدامة.
فالنشاط البدني يعزز الصحة والرفاه، في حين يمكن للبرامج الرياضية أن تدعم التعليم من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي والتواصل وغيرها من مهارات القرن الحادي والعشرين.
كما يمكن للمبادرات الرياضية أن تعزز المساواة بين الجنسين عبر ضمان مشاركة متكافئة للنساء والفتيات وزيادة الوعي بأهمية الشمول. وعندما تُصمم البرامج بحيث تضم مشاركين من خلفيات وقدرات مختلفة، فإنها تسهم في تقليص الفوارق وتشجع التعاون السلمي بين المجتمعات.
وقالت واكيم: "يمكن للرياضة أيضاً أن تسهم في بناء السلام وتعزيز الشراكات"، مشيرة إلى المبادرات التي تتعاون فيها المؤسسات والمنظمات لتعزيز الصمود المجتمعي وتشجيع الحوار.
مبادرات عالمية ومشاركة الشباب
وتظهر البرامج الدولية أيضاً الأثر الاجتماعي للرياضة. فقد أشارت واكيم إلى استراتيجية Olympism365 التابعة للجنة الأولمبية الدولية، والتي تهدف إلى تحسين حياة الناس من خلال الرياضة على مدار العام.
كما لفتت إلى الألعاب الأولمبية الصيفية للشباب 2026 في داكار، والتي ستجمع رياضيين شباباً من مختلف أنحاء العالم.
وقالت” :مثل هذه الفعاليات تعزز الفهم المتبادل والاحترام والصداقة بين الثقافات. كما تُظهر أن التنوع مصدر قوة، وفي الوقت نفسه تساعد الشباب على تطوير مهارات القيادة والمهارات الحياتية الأساسية".
الأحداث الرياضية الكبرى: فرص للتنمية المستدامة
ويمكن للبطولات العالمية الكبرى أيضاً أن تترك آثاراً اجتماعية واقتصادية إيجابية طويلة الأمد. وأوضحت واكيم أن أحداثاً مثل كأس العالم FIFA قطر 2022 يمكن أن تدعم المبادرات التعليمية وبرامج تدريب الشباب ومشاريع تنمية المجتمعات.
وأضافت: "غالباً ما تمول هذه الأحداث برامج تدريب للشباب، بما في ذلك التدريب الرياضي وبرامج التحكيم، ما يخلق فرص عمل جديدة. كما يمكنها دعم المدارس والأكاديميات الشبابية التي تستمر في العمل حتى بعد انتهاء الحدث."
كما يمكن أن تسهم مشاريع تطوير البنية التحتية مثل الملاعب وشبكات النقل والمساحات العامة في تحسين حياة المجتمعات إذا جرى تصميمها مع مراعاة الاستخدام طويل الأمد.
وقالت: "عندما تُخطط الأحداث الكبرى بالتعاون مع المجتمعات وبما ينسجم مع أهداف التنمية، فهي تساعد في تحسين حياة السكان اليومية، وتدعم الاقتصاد المحلي، وتزيد فرص الوصول إلى المرافق الرياضية".
الرياضة من أجل السلام في لبنان
كما استعرضت واكيم مثالاً من عملها في لبنان، حيث استُخدمت الرياضة لتعزيز الصمود المجتمعي وتشجيع السلام بين مجتمعات لم تكن تتفاعل كثيراً بسبب صراعات سابقة.
وفي هذه المبادرة، عملت منظمات محلية على تحديد مدربين تم تدريبهم لقيادة جلسات رياضية مدمجة بتدريب على المهارات الحياتية، مع التركيز على التواصل والعمل الجماعي والتسامح والشمول بين الجنسين والاستماع الفعّال.
وأوضحت واكيم: "شارك الشبان والشابات أولاً في جلسات داخل مجتمعاتهم المحلية، ثم قامت مجموعات من مجتمعات مختلفة بزيارة بعضها البعض وتشكيل فرق رياضية مشتركة".
وساعد البرنامج المشاركين على تحدي الصور النمطية وبناء علاقات جديدة.
وأضافت: "لاحظنا انخفاض التوترات عندما بدأ الشباب بالتواصل والعمل معاً. فقد وفّرت الرياضة مساحة للحوار والتفاهم".
رسالة حول قوة الرياضة
وترى واكيم أن الدرس الأهم واضح. وقالت: "تمتلك الرياضة إمكانات لدعم التنمية والسلام، لكن تأثيرها يعتمد على كيفية تصميم البرامج، ومدى إشراك المجتمعات المحلية، وضمان مشاركة الفئات الأكثر هشاشة، ووجود رؤية طويلة الأمد تتجاوز مجرد النشاط أو الحدث".
وأضافت أنه عندما تُستخدم الرياضة بطريقة مدروسة، يمكن أن تصبح أكثر من مجرد منافسة، بل مساراً نحو مجتمعات أقوى وعالم أكثر سلاماً.
وفي عالم غالباً ما تطغى عليه الانقسامات والصراعات، تذكّرنا رؤية نورما واكيم بأن الرياضة ليست مجرد ألعاب، بل جسر يربط المجتمعات ويمكّن الشباب ويعزز السلام.
ومن المبادرات المجتمعية المحلية في لبنان إلى الفعاليات العالمية مثل الألعاب الأولمبية للشباب، تثبت الرياضة أنها أداة قوية للتنمية والتغيير الاجتماعي.


