
لبنان – لبنان، البلد المعروف بجماله الطبيعي وتاريخه الغني، يواجه في السنوات الأخيرة تحديات عميقة. فقد أدّت حالة عدم الاستقرار السياسي والانهيار الاقتصادي والصراعات المتقطعة إلى خلق بيئة يسودها الغموض وعدم اليقين، خصوصًا بالنسبة إلى العائلات والأطفال.
وغالبًا ما تكافح المدارس لتوفير تعليم مستمرّ، فيما تبقى المساحات الآمنة للترفيه محدودة. وفي هذا السياق، برزت في منطقة بعقلين مبادرة تعليمية فريدة تتمثل في "مدرسة الغابة"، وهي مساحة صُممت لربط الأطفال بالطبيعة، وتنمية روح الإبداع لديهم، وتعزيز قدرتهم على الصمود.
ورغم أنها توفّر تجارب تعليمية قائمة على التعلّم في الطبيعة، فإن مدرسة الغابة ليست بديلًا عن التعليم التقليدي، بل تعمل كبرنامج تكميلي على شكل مخيم تعليمي يتيح للأطفال فرصًا للاستكشاف واللعب وتطوير مهارات جديدة خارج الصفوف الدراسية التقليدية.
ولادة مدرسة الغابة
نشأت فكرة المدرسة خلال نزهة بسيطة في الطبيعة، حين لاحظت مجموعة من المربين نقص الخيارات التعليمية العملية والمتاحة للأطفال الصغار.
وقال أحد المؤسسين لموقع إنمائية: "أحد أصدقائنا كان يبحث عن مدرسة لطفله أقرب إلى المنزل، لكن الخيارات المتاحة في بيروت كانت بعيدة جدًا. حينها أدركنا الحاجة إلى مساحة يمكن للأطفال أن يتعلموا فيها عبر الطبيعة، ويلعبوا ويستكشفوا."
وفي صيف عام 2023، أطلقت المدرسة أول مخيم صيفي لها. وقد لاقى البرنامج إقبالًا كبيرًا من العائلات التي سجلت أطفالها في برنامج يركز على التعلم من خلال اللعب، بعيدًا عن الأجهزة الإلكترونية، ويعتمد على الفضول والإبداع.
وسرعان ما أصبح واضحًا أن هناك رغبة حقيقية في نموذج تعليمي شامل يتكيّف مع التحديات الفريدة التي يواجهها الأطفال اللبنانيون.
التعلّم عبر اللعب والطبيعة والمجتمع
تعتمد مدرسة الغابة منهجًا يجمع بين التنظيم والمرونة في آنٍ واحد. وتُقدَّم أنشطتها ضمن مخيم صيفي يعمل ستة أيام في الأسبوع، من الإثنين إلى السبت، ويستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عامًا.
ويرتكز البرنامج على ثلاثة محاور رئيسية: الذات، المجتمع، والعلم.
وقالت إحدى منسقات البرنامج: "هدفنا لا يقتصر على تعليم المهارات الأكاديمية، بل يتعداه إلى مساعدة الأطفال على تنمية التعاطف والقدرة على الصمود والفضول تجاه العالم."
• الذات:
أنشطة تعزز الوعي الذاتي والثقة بالنفس والذكاء العاطفي، وتساعد الأطفال على إدارة الضغوط وبناء علاقات صحية مع أقرانهم ومعلميهم ومع أنفسهم.
• المجتمع:
يرتبط التعلم بالمجتمع المحلي، ما يسمح للأطفال بفهم بيئتهم وملاحظة احتياجات المجتمع والمساهمة في إحداث تغيير إيجابي.
• العلم:
يشارك الأطفال في استكشاف البيئة والتعرّف إلى النظم البيئية والتنوع الحيوي والاستدامة، إضافة إلى فهم الترابط بين الإنسان والحيوان والطبيعة.
ويوازن الجدول اليومي بين الأنشطة الموجّهة والاستكشاف الحر. فيشارك الأطفال في رحلات مشي في الطبيعة، وألعاب تعاونية، ومشاريع فنية، وتجارب علمية.
كما يتفاعلون مع الأدب والمواد الأكاديمية، ويربطون ما يتعلمونه في الكتب بتطبيقات واقعية في الطبيعة، ما يعزز التفكير النقدي ومهارات حل المشكلات وفهمًا أعمق للعالم من حولهم.
الأمان وإمكانية الوصول ودور المجتمع
يُعدّ الأمان أولوية قصوى في المدرسة. ويعمل المعلمون كمسهلين للتعلّم بدلًا من المدرسين التقليديين، إذ يشجعون الأطفال على الاستكشاف وطرح الأسئلة مع ضمان سلامتهم.
ويتلقى جميع الموظفين تدريبًا في حماية الطفل، والإسعافات الأولية، وسلامة الأنشطة الخارجية، كما يغطي التأمين الشامل الحالات الطبية الطارئة.
ويعتمد البرنامج أيضًا نظام رسوم متدرّج، بحيث تدعم العائلات الأكثر قدرة ماليًا الأطفال المحتاجين. كما تُمنح خصومات للأشقاء، وتتوفر خيارات تسجيل مرنة لزيادة إمكانية الوصول وتمكين الأطفال من خلفيات مختلفة من المشاركة.
وغالبًا ما تنسّق العائلات النقل فيما بينها، عبر التنقل من بيروت والقرى المجاورة، لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الأطفال.
مدارس الغابة حول العالم
تُعد مدرسة الغابة في لبنان جزءًا من حركة عالمية متنامية. ففي الدول الإسكندنافية، تُعتبر مدارس الغابة عنصرًا أساسيًا في التعليم المبكر منذ عقود، حيث تركز على الاستقلالية والفضول والقدرة على الصمود.
وفي المملكة المتحدة، تم اعتماد هذا النموذج لدمج التعلم الأكاديمي مع الاستكشاف في الهواء الطلق، وتعزيز التطور الاجتماعي والعاطفي والمعرفي.
أما في الولايات المتحدة، فقد أظهرت برامج في ولايتي أوريغون وواشنطن أن الأطفال الذين يشاركون في التعليم القائم على الطبيعة يحققون مستويات أعلى من الإبداع وتنظيم العواطف ومهارات التعاون.
وتتكيف المدرسة اللبنانية مع هذه النماذج الدولية بما يتناسب مع الواقع المحلي. فالأطفال لا يكتفون باستكشاف غابات بعقلين فحسب، بل يطوّرون أيضًا آليات للتعامل مع الضغوط النفسية والصدمات المرتبطة بالصراع.
وبذلك تصبح الطبيعة في الوقت نفسه فصلًا دراسيًا وملاذًا آمنًا، توفّر قدرًا من الاستقرار في عالم قد يبدو غير متوقع.
الاستجابة لأزمة لبنان
أدى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المستمر في لبنان إلى صعوبة الوصول إلى تعليم جيد ومساحات لعب آمنة. كما يواجه الأطفال اضطرابات في تعليمهم وارتفاعًا في مستويات التوتر والقلق.
وفي هذا السياق، توفر مدرسة الغابة بيئة آمنة وداعمة يمكن للأطفال فيها التعلم والاستكشاف والتعبير عن مشاعرهم ضمن مجتمع متعاون.
وفي عام 2024، توسّع البرنامج ليشمل حرش بيروت، رغم توقف العمليات موقتًا بسبب النزاع في المنطقة. وتشمل الخطط المستقبلية نقل هذا النموذج إلى مناطق أخرى في لبنان، بهدف توفير التعليم القائم على الطبيعة لعدد أكبر من الأطفال المتأثرين بعدم الاستقرار.
الحياة اليومية في مدرسة الغابة
يبدأ اليوم عادة بدائرة صباحية هادئة تساعد الأطفال على التركيز والتأمل وتحديد نواياهم لليوم.
وتشمل الأنشطة:
• مراقبة النباتات والحيوانات
• إجراء تجارب بيئية
• سرد القصص والأنشطة الأدبية المرتبطة بالطبيعة
• ألعاب تعاونية لبناء المهارات الاجتماعية
• مشاريع فنية باستخدام المواد الطبيعية
ويتناوب الأطفال بين الدروس المنظمة واللعب الحر، ما يعزز الاستقلالية مع الحفاظ على توجيه أهداف التعلم. كما يشجع المعلمون على التأمل والنقاش، لمساعدة الأطفال على ربط الأنشطة العملية بالمهارات الأكاديمية والحياتية.
بناء المستقبل عبر الطبيعة
لا يقتصر الهدف النهائي لمدرسة الغابة على التعليم الأكاديمي فحسب، بل يشمل أيضًا تنمية التعاطف والقدرة على الصمود والوعي البيئي.
يتعلم الأطفال أن يروا أنفسهم جزءًا من نظام بيئي أكبر، وأن يفهموا الترابط بين جميع الكائنات الحية. كما يطورون الأدوات الاجتماعية والمعرفية والعاطفية اللازمة للتعامل مع عدم اليقين والمساهمة إيجابيًا في مجتمعاتهم.
وقد لاحظ الآباء تحسنًا ملحوظًا في ثقة أطفالهم بأنفسهم، وقدرتهم على حل المشكلات، وازدياد فضولهم تجاه العالم.
الرؤية والتوسع
مع الحفاظ على نسبة منخفضة بين المعلمين والطلاب، وبيئة آمنة، وسياسات صارمة، تلتزم المدرسة بتوفير تجربة تعليمية عالية الجودة تجمع بين اللعب والتعلّم والوعي البيئي.
وتشمل الرؤية طويلة المدى التوسع إلى مناطق إضافية في لبنان، وإنشاء شبكة من مدارس الغابة لتوفير فرص التعليم القائم على الطبيعة للأطفال في مختلف أنحاء البلاد.
دروس للعالم
تجسد مدرسة الغابة اللبنانية كيف يمكن للتعليم القائم على الطبيعة أن يستجيب للتحديات المجتمعية المعقدة. وعلى المستوى الدولي، يتماشى هذا النموذج مع الجهود الرامية إلى تقديم تعليم شامل وتجريبي يعزز الصحة العاطفية والمسؤولية الاجتماعية والمعرفة البيئية.
من الإسكندنافيا إلى الولايات المتحدة، والآن في لبنان، تقدم مدارس الغابة نموذجًا تعليميًا يساعد الأطفال على مواجهة تحديات العالم الحديث، مع تعزيز الإبداع والفضول والرحمة.
وفي بلد أصبح فيه عدم اليقين جزءًا من الحياة اليومية، توفّر مدرسة الغابة مساحة نادرة يستطيع فيها الأطفال الاستكشاف والتعلّم والنمو، واكتساب المهارات اللازمة لمواجهة تحديات المستقبل.