امرأة تتلقى العلاج على يد ممرضة خلال الحرب الجزائرية
امرأة تتلقى العلاج على يد ممرضة خلال الحرب الجزائرية

العالم العربي - تختلف قصة دخول النساء إلى سوق العمل منذ الثورة الصناعية بشكل كبير حسب الجغرافيا. ففي الدول الغربية، ورغم أن التصنيع كان مُربكاً في بداياته، إلا أنه لعب دوراً تحويلياً في إدماج النساء في سوق العمل، بدءاً من المصانع وصولاً إلى المكاتب والمهن والحياة العامة. أما في العالم العربي، فقد اتخذ هذا المسار شكلاً مختلفاً.

يبلغ المعدل العالمي لمشاركة النساء في القوى العاملة نحو 48%، مقابل 75% للرجال. وفي المنطقة العربية، لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء 25.5%، أي ما يقارب نصف المعدل العالمي.

وتسجل الدول العربية خارج مجلس التعاون الخليجي أدنى معدلات مشاركة نسائية في سوق العمل عالمياً، إذ لا تتجاوز 11.7%، مقارنة بـ66.2% للرجال، وفقاً لتقرير منظمة العمل الدولية لعام 2024. وعند احتساب دول مجلس التعاون الخليجي، يرتفع المعدل إلى 25.5%، لكنه يبقى من بين الأدنى عالمياً.

كما تشير الإحصاءات إلى أن نحو 80% من النساء في العالم العربي خارج قوة العمل بالكامل، في حين يبلغ معدل البطالة بين النساء حوالي 42%. وتعني هذه الأرقام أن امرأة واحدة فقط من بين كل خمس نساء عربيات تبحث فعلياً عن عمل، ومن بينهن نحو النصف يتمكنّ من الحصول على وظيفة.

وفي هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري: هل ترغب النساء العربيات فعلاً في العمل؟ وتشير الأدلة إلى أن الإجابة هي نعم. فقد أظهرت منظمة العمل الدولية أن نحو 70% من النساء المستطلعات يفضّلن العمل المأجور بغض النظر عن وضعهن الوظيفي، ما يؤكد أن العائق لا يرتبط بالرغبة، بل بعوامل أخرى أكثر تعقيداً.

مفارقة التعليم

يرتبط ذلك بما يُعرف بـ"مفارقة التعليم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". فعلى الرغم من الاستثمارات الكبيرة في تعليم النساء، والتي أدت في بعض الدول العربية إلى تفوقهن في التعليم العالي، إلا أن هذا التقدم لم ينعكس على مشاركتهن في سوق العمل.

وبناءً عليه، يُطرح التساؤل حول الأسباب الحقيقية لانخفاض مشاركة النساء في القوى العاملة.

الدوافع

تشير دراسة لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND) إلى أن الأسباب ترتبط بالاقتصاد السياسي أكثر من ارتباطها بالعوامل الثقافية. إذ إن الحاجة الاقتصادية، أو غيابها، تؤثر بشكل أكبر من العوامل الاجتماعية أو الدينية في تحديد مستوى مشاركة النساء في سوق العمل.

  • النفط

تُظهر الدراسات أن اعتماد بعض الدول العربية على عائدات النفط والموارد الهيدروكربونية يقلل الحاجة إلى مشاركة النساء في سوق العمل. كما تشير البيانات إلى علاقة عكسية بين نمو قطاع النفط ومشاركة النساء، حيث تسجل الدول النفطية مثل السعودية والعراق وليبيا نسب مشاركة منخفضة، في حين تسجل دول مثل المغرب وتونس ولبنان نسباً أعلى نسبياً.

  • القطاع العام

تميل النساء في المنطقة إلى العمل في القطاع العام نظراً لما يوفره من استقرار وظروف عمل أفضل ومزايا تتعلق بالأمومة. غير أن سياسات تقليص الإنفاق العام، المرتبطة في بعض الحالات ببرامج صندوق النقد الدولي، أدت إلى خفض التوظيف الحكومي.

فعلى سبيل المثال، انخفضت مشاركة النساء في مصر من 23% عام 2016 إلى 16% عام 2019، بالتزامن مع تطبيق برنامج صندوق النقد. ومع غياب بدائل مناسبة في القطاع الخاص، تتجه العديد من النساء إلى مغادرة سوق العمل.

  • العوائق القانونية

تؤثر الأطر القانونية التمييزية، مثل قيود التنقل، والوصاية، وحقوق الملكية، وإجراءات فتح الحسابات المصرفية أو توقيع العقود، سلباً على مشاركة النساء في سوق العمل. وتشير أبحاث صندوق النقد الدولي إلى أن الفجوات في الحقوق القانونية تُعد من أبرز أسباب انخفاض المشاركة في المنطقة. ورغم وجود إصلاحات في دول مثل السعودية والكويت ولبنان، إلا أن فجوات التنفيذ لا تزال قائمة.

  • البنية التحتية للرعاية

يؤدي ضعف خدمات رعاية الأطفال، وقصور إجازات الأمومة، وغياب سياسات التوازن بين العمل والأسرة، إلى تحميل النساء العبء الأكبر من أعمال الرعاية غير المدفوعة. وتشير دراسة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن عدم المساواة في توزيع أعمال الرعاية المنزلية يحدّ بشكل مباشر من مشاركة النساء في سوق العمل.

ليست الثقافة بل الاقتصاد

غالباً ما يُفسَّر انخفاض مشاركة النساء في العالم العربي بأنه مرتبط بالعوامل الثقافية أو الدينية، إلا أن الدراسات تشير إلى أن العامل الحاسم يتمثل في البنية الاقتصادية والسياسية، وليس في المعتقدات الدينية.

وعليه، فإن الإصلاحات مثل "رؤية 2030" في السعودية أو الضمانات الدستورية في تونس تُعد خطوات مهمة، لكنها تبقى غير كافية اذا لم تُعالج البنية الاقتصادية والمؤسساتية بشكل شامل.