لا يزال الفقر المدقع يشكّل تحديًا عالميًا يؤثر على مئات الملايين من الأشخاص حول العالم.
لا يزال الفقر المدقع يشكّل تحديًا عالميًا يؤثر على مئات الملايين من الأشخاص حول العالم.

العالم – لعقود طويلة، كان يُنظر إلى إنهاء الفقر المدقع باعتباره هدفًا طموحًا وملحًا أخلاقيًا، لكنه يبدو بعيد المنال من الناحية المالية.

إلا أن تحليلًا جديدًا يتحدى هذه الفرضية، ويشير إلى أن القضاء على الفقر المدقع عالميًا قد يكون أقل تكلفة بكثير مما يعتقده معظم الناس.

ووفقًا لبحث صادر عن مركز العمل الفعّال العالمي (CEGA) في جامعة كاليفورنيا – بيركلي، فإن إنهاء الفقر المدقع قد يتطلب نحو 318 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل حوالي 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ولإعطاء هذا الرقم سياقًا أوضح، فإن هذه الكلفة تعادل 0.3% من الناتج العالمي، وهي أعلى قليلًا من الإنفاق السابق على المساعدات الخارجية (0.21%)، لكنها تبقى أقل بكثير من الإنفاق العالمي على الكحول (2.2%) أو مستحضرات التجميل (0.6%). وعلى المستوى الفردي، فإن شخصًا يبلغ دخله الوسيط في الولايات المتحدة (45,000 دولار سنويًا) سيساهم بحوالي 135 دولارًا سنويًا.

في عالم تُنفق فيه تريليونات الدولارات سنويًا على قطاعات تتراوح بين الدفاع والسلع الاستهلاكية، يطرح هذا الرقم سؤالًا لافتًا: إذا كان القضاء على الفقر ممكنًا ماليًا، فلماذا لم يحدث حتى الآن؟

ما هو “الفقر المدقع”؟

يُعرّف الفقر المدقع عادةً بأنه العيش بأقل من 2.15 دولار يوميًا، بعد تعديل القوة الشرائية. وعلى الرغم من التراجع الكبير في معدلات الفقر عالميًا خلال العقود الماضية، لا يزال مئات الملايين من الناس يعيشون تحت هذا الحد.

يركّز تحليل CEGA على التحويلات النقدية الموجّهة، أي تقديم مبالغ مباشرة للأسر الأكثر فقرًا، باعتبارها الطريقة الأكثر كفاءة لسد فجوة الدخل. وبدلًا من البرامج الشاملة، يتم تحديد من هم تحت خط الفقر وتقديم دعم مالي يكفي فقط لرفعهم فوقه.

هل الدعم الموجّه هو الحل؟

تُظهر إحدى النتائج الأساسية للدراسة أن طريقة توزيع الأموال لا تقل أهمية عن حجمها.

وتشير الدراسة إلى أن نهجًا شاملًا مثل الدخل الأساسي الشامل (UBI) قد يتطلب نحو 900 مليار دولار سنويًا، ما يجعله أكثر كلفة بكثير.

في المقابل، تُعد التحويلات الموجّهة أكثر فعالية لأنها تركز فقط على الفئات الأكثر حاجة. ويقدّر الباحثون أن إنفاق 170 مليار دولار سنويًا يمكن أن يخفض الفقر المدقع إلى نحو 1% فقط من السكان في 23 من أفقر دول العالم.

ويعود جزء من هذه الكفاءة إلى التطور في أنظمة البيانات والدفع الرقمي، ما يسهّل تحديد الفئات الأكثر ضعفًا وتقديم الدعم لها مباشرة، غالبًا عبر الخدمات المصرفية الرقمية.

ماذا لم يُقضَ على الفقر حتى الآن؟

إذا كانت الكلفة معقولة نسبيًا على المستوى العالمي، فإن العوائق لا تبدو اقتصادية بقدر ما هي سياسية ولوجستية.

أولًا، يتطلب القضاء على الفقر تنسيقًا عالميًا طويل الأمد بين الحكومات والمؤسسات الدولية والجهات المانحة، وليس استجابة مؤقتة لأزمات إنسانية.

ثانيًا، تبقى قضايا الحوكمة والتنفيذ تحديًا أساسيًا، إذ إن ضمان وصول الأموال إلى الفئات المستهدفة يواجه عقبات مثل الفساد وضعف المؤسسات ونقص البنية التحتية.

وأخيرًا، تبرز مسألة الأولويات، إذ إن الدول الغنية والأفراد ذوي الدخل المرتفع سيكونون من أبرز المساهمين، ما يجعل مسألة إعادة التوزيع حساسة سياسيًا.

ماذا عن لبنان والشرق الأوسط؟

بينما تشير التقديرات العالمية إلى أن إنهاء الفقر المدقع ممكن ماليًا، تُظهر حالة لبنان مدى تعقيد الواقع على الأرض.

وتكشف البيانات الحديثة حجم الأزمة. فقد حذّر وزير البيئة السابق ناصر ياسين، استنادًا إلى نتائج مركز الدراسات العربية للأبحاث ودراسة السياسات، من أن الأوضاع الاقتصادية ما تزال الشغل الشاغل للمواطنين.

وبحسب مؤشر الرأي العربي الأخير، فإن 42% من اللبنانيين اعتبروا أن التحديات الاقتصادية، مثل الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار، هي المشكلة الأكثر إلحاحًا.

وتشير الأرقام إلى صورة أكثر حدة، إذ تُصنّف حوالي 50% من الأسر على أنها “أسر كفاف”، أي أن دخلها يكفي فقط لتغطية الاحتياجات الأساسية دون أي قدرة على الادخار. كما تعيش 26% من الأسر في حالة حرمان واعتماد على المساعدات أو الديون، ما يعني أن نحو ثلاثة أرباع السكان يعيشون عند حدود الهشاشة الاقتصادية أو تحتها.

وتتزايد الضغوط الاقتصادية مع استمرار ارتفاع الأسعار، بما في ذلك زيادة أسعار الوقود بأكثر من 20%، في وقت يشكّل فيه النقل جزءًا مهمًا من إنفاق الأسر.

وفي السياق الإقليمي الأوسع، تعكس حالة لبنان نمطًا أوسع من التدهور الاقتصادي المرتبط بالنزاعات وعدم الاستقرار والضغوط التضخمية.

فعلى سبيل المثال، في سوريا، يعيش أكثر من 69% من السكان تحت خط الفقر، مع تأثر أكثر من ربع السكان بالفقر المدقع، نتيجة سنوات من الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي.

ويُظهر الواقع في الشرق الأوسط أن التحدي لا يقتصر على التمويل، بل يرتبط أيضًا بالاستقرار السياسي، وضعف المؤسسات، وغياب أنظمة الحماية الاجتماعية الفعالة، ما يجعل حتى الحلول المدروسة مثل التحويلات النقدية الموجّهة صعبة التطبيق.

هل الأمر بهذه البساطة؟

رغم النتائج المشجعة، يحذّر خبراء من أن الدعم المالي وحده لا يكفي، لأن الفقر ظاهرة متعددة الأبعاد تشمل التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة والحوكمة.

ومع ذلك، تشير الأدلة المتزايدة إلى أن التحويلات النقدية المباشرة تحقق آثارًا إيجابية، إذ يستخدمها العديد من المستفيدين في تطوير مشاريع صغيرة أو تحسين التعليم والصحة.

وتعيد هذه الفرضية طرح القضية من زاوية مختلفة: الفقر المدقع قد لا يكون مشكلة ندرة موارد بقدر ما هو مسألة أولويات وتوزيع للثروة.

يمتلك العالم القدرة المالية على معالجة الفقر المدقع، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإرادة الجماعية، وفي تحديد ما إذا كان سد هذه الفجوة يمثل أولوية عالمية تستحق التنفيذ.