
لبنان - في إنجاز طلابي يعكس حضور الشباب اللبناني على الساحة الدولية، حصد الطالب في الجامعة اللبنانية الأميركية روي أبي رعد جائزة الدبلوماسية خلال مشاركته في مؤتمر Harvard World Model United Nations، أحد أبرز منصات محاكاة الأمم المتحدة عالمياً.
وفي مقابلة خاصة مع إنمائية، يروي أبي رعد رحلته التي امتدت لسنوات داخل عالم محاكاة الأمم المتحدة والأنشطة الدبلوماسية والطلابية التنموية، وصولاً إلى هذا الإنجاز، مروراً بالتحديات الأكاديمية واللوجستية والأمنية التي رافقت مشاركته في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها لبنان.
بداية المسار: من مقاعد المدرسة إلى شغف الدبلوماسية
يسترجع أبي رعد بداياته قائلاً: "بدأت رحلتي مع الـModel UN منذ نحو ثلاث سنوات، عندما شاركت في مؤتمر نظمته الجامعة اللبنانية الأميركية لطلاب المدارس. يومها، فزت بجائزة Secretary-General، وكانت تلك اللحظة نقطة تحوّل دفعتني إلى تعزيز اهتمامي بالنقاشات المرتبطة بالأمم المتحدة والشأن السياسي، ما شجّعني على متابعة دراستي في العلوم السياسية والشؤون الخارجية".
اختيار وتدريب مكثّف قبل Harvard WorldMUN
وعن انضمامه إلى وفد الجامعة اللبنانية الأميركية، يوضح: "قبل حوالي خمسة أشهر، نظّمت الجامعة اللبنانية الأميركية مسابقة داخلية لاختيار الطلاب الذين سيمثلونها في هذا المؤتمر. وخضنا عملية تقييم تنافسية تم خلالها اختيار عدد محدود من المشاركين بناءً على الأداء والمهارات في البحث والتفاوض والتعبير".
ويضيف: "بعد اجتياز هذه المرحلة، انضممنا إلى برنامج تدريبي مكثّف امتد لأربعة أشهر متتالية، ضمن جلسات أسبوعية منتظمة ومركّزة. وعملنا خلاله على تطوير مهارات البحث الأكاديمي وفهم ملفات الدول والقضايا المطروحة، إضافة إلى التحضير لأساليب التفاوض وصياغة القرارات، ما أتاح لنا دخول المؤتمر بجاهزية عالية على المستويين الأكاديمي والعملي".
محاكاة أممية بمستوى تنافسي عالمي
يصف أبي رعد طبيعة المؤتمر قائلاً: "المؤتمر عبارة عن محاكاة لعمل الأمم المتحدة ضمن إطار أكاديمي تنافسي عالي المستوى، حيث يشارك طلاب من مختلف أنحاء العالم يمثلون جامعاتهم ودولهم. يتم خلاله التفاوض، مناقشة السياسات، وصياغة قرارات تعكس مواقف الدول".
ويتابع: "شاركت ضمن لجنة Special Political and Decolonization (SPECPOL)، وهي لجنة تُعنى بالقضايا السياسية الخاصة وملفات إنهاء الاستعمار، وكان موضوع النقاش حول الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ومثلنا دولة المكسيك، ما تطلّب فهماً عميقاً لمواقفها الدبلوماسية وكيفية ترجمتها داخل النقاشات والمفاوضات".
تحديات بدأت من تأشيرة السفر
لم تكن المشاركة سهلة، إذ واجه الوفد سلسلة تحديات منذ البداية: "بدأت التحديات من مسألة الحصول على تأشيرة السفر، إذ لا توجد سفارة للبيرو في لبنان. وحاولنا في البداية السفر إلى مصر، لكن الظروف المادية لم تسمح، فاضطررنا لإرسال جوازات السفر، وبعد سلسلة اتصالات استلمناها قبل يوم واحد فقط من موعد السفر، رغم تقديم الطلب قبل شهر ونصف. وحتى اللحظة الأخيرة، لم نكن نعلم إن كنا سنتمكن من المشاركة".
ويقول: "كنا أيضاً الوفد الوحيد من الشرق الأوسط بعدما تعذّر على وفود أخرى الحضور. ومع حصولنا على التأشيرات، برز تحدٍ أمني كبير في ظل الضربات المتكررة قرب مطار بيروت، ما جعل رحلة السفر محفوفة بالمخاطر، خصوصاً أننا عبرنا ثلاثة مطارات دون ضمانات للعودة".
المكسيك ولبنان: تقاطع في الرؤية الدبلوماسية
وعن تمثيل المكسيك داخل اللجنة، يقول: "تختلف السياسات الخارجية من دولة إلى أخرى، لكن موقف المكسيك في ملف إنهاء الاستعمار كان دبلوماسياً ومحايداً، وهو ما وجدته قريباً من واقع لبنان. وشعرت أنني أمثل المكسيك ولبنان معاً، خاصة في ظل الظروف التي نمر بها، ما جعلني أتعامل مع النقاش من منظور أوسع يجمع بين التجربتين".
ويتابع: "عملنا على إعداد مشروع قرار (Draft Resolution) بالتعاون مع وفود من دول عدة، بينها المغرب وفرنسا والولايات المتحدة. وكانت تجربة غنية تعلّمت خلالها أهمية بناء شبكات ثقة قبل أي نقاش، لأن الدبلوماسية تقوم على إيجاد أرضية مشتركة بين المصالح المختلفة للوصول إلى توافق".
انعكاس الأوضاع الأمنية على المشاركة
لم تغب الأوضاع في لبنان عن التجربة، "كان للأوضاع الأمنية تأثير مباشر. كنا نتلقى أخبار القصف في بيروت بشكل مستمر، ما كان يدفعنا أحياناً لمغادرة الجلسات للاطمئنان على عائلاتنا. وهذا الواقع خلق حالة من التوازن الصعب بين التركيز على النقاشات والقلق المستمر على أهلنا".
رسالة إلى الشباب
وفي ختام حديثه، يوجّه أبي رعد رسالة حول دور الشباب في السياسة: "تفعيل دور الشباب يعزز الثقة بالمستقبل ويمنح السياسة طاقة ورؤية جديدة. نحن جيل عاش نتائج قرارات سابقة، ما يجعلنا أكثر وعياً بحجم التحديات وأكثر إصراراً على التغيير".
ويضيف: "نحن لا ننظر إلى السياسة كإطار تقليدي فقط، بل كمساحة لإعادة صياغة الحلول بطريقة أكثر واقعية وابتكاراً، بعيداً عن الانقسامات الطائفية. والشباب قادرون على تقديم مقاربات جديدة وشاملة تضع مصلحة المجتمع في الأولوية".
تجربة روي أبي رعد، لا تختصر بفوزٍ في مسابقة دولية، بل تعكس نموذجاً لشباب لبناني يندمج في مساحات عالمية رغم كل التحديات المحلية.
وفي ظل الأزمات المتراكمة، يبرز هذا الإنجاز كإشارة إلى قدرة الجيل الجديد على إعادة تعريف دوره في السياسة والدبلوماسية، عبر المعرفة، الحوار، وبناء الثقة.


