
لبنان - فيما يلتقط لبنان أنفاسه بعد إعلان الهدنة، تتجه الأنظار إلى حجم الخسائر التي خلّفتها الحرب وتداعياتها على الاقتصاد المنهك أساساً منذ سنوات. وبين أرقام أولية وتقديرات ميدانية، تتضح صورة ثقيلة عن كلفة بشرية ومادية لم تُحسم أرقامها النهائية بعد.
في هذا السياق، قدّم الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين لانمائية قراءة شاملة لتقديرات الأضرار الناتجة عن الحرب، مستنداً إلى مشاهدات عينية أولية عقب إعلان الهدنة، وليس إلى مسوحات نهائية.
خسائر أولية بـ5 مليارات دولار
وقال شمس الدين إن الأضرار التي طالت الوحدات السكنية، والأبنية المتضررة كلياً أو جزئياً، والبنى التحتية، إضافة إلى الخسائر في القطاع الزراعي والأضرار الاقتصادية غير المباشرة، قد تصل في مجملها إلى نحو 5 مليارات دولار.
وأوضح أن هذا الرقم يبقى تقديراً أقصى في المرحلة الحالية، بانتظار الانتهاء من الكشوفات والمسوح الميدانية لتحديد الخسائر بدقة أكبر.
10 مليارات دولار تقدير مبالغ فيه
وفي معرض مقارنته بالتقديرات الأخرى، اعتبر شمس الدين أن الأرقام التي تتحدث عن خسائر تصل إلى 10 مليارات دولار مبالغ فيها، مشيراً إلى أن نطاق الحرب بقي محصوراً جغرافياً في مناطق محددة تشمل الضاحية الجنوبية، أجزاء من الجنوب والبقاع، وأحياناً بعض مناطق بيروت.
وأضاف أن هذه الحرب تُعد امتداداً لتداعيات حرب 2023–2024، التي لم تُستكمل فيها عمليات إعادة الإعمار، في ظل استمرار التوترات الإقليمية التي أبقت خطط التطوير وإعادة البناء معلّقة بفعل غياب الاستقرار.
وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى تجميد واسع في الخطط الاقتصادية، إذ بقيت المؤسسات والأفراد في حالة ترقّب لأي تصعيد جديد، ما منع إطلاق دورة إعادة الإعمار بشكل فعلي.
قطاعات متضررة وخسائر كبيرة
وعلى صعيد القطاعات المتضررة، أوضح شمس الدين أن التأثير طال بشكل عام مختلف القطاعات الاقتصادية، إلا أن القطاعين السياحي والتجاري كانا الأكثر تضرراً، فيما بقيت الأضرار في القطاع الزراعي محدودة نسبياً.
وفي التفاصيل، أشار إلى أن الموسم الزراعي الأساسي لم يكن قد بدأ بعد في الجنوب، خصوصاً موسم الزيتون، ما ساهم في تقليص حجم الخسائر الزراعية المباشرة. كما لفت إلى أن زراعة الحمضيات والموز وغيرها من المحاصيل لم تتأثر بشكل كلي، ما جعل القطاع الزراعي أقل تضرراً مقارنة بقطاعات أخرى.
وأضاف أن فترتي عيد الفطر والفصح، اللتين كان يُفترض أن تشهدا حركة سياحية نشطة مع قدوم عشرات اللبنانيين من الخارج والسياح، لم تُستثمرا هذا العام، ما أدى إلى ضياع فرصة اقتصادية مهمة زادت من خسائر القطاع السياحي.
أما في القطاع التجاري، فأوضح أن الضرر تمثل بشكل خاص في السلع غير الأساسية مثل الملابس، الأحذية، الساعات والعطور، نتيجة تراجع الطلب، في حين بقي قطاع المواد الغذائية الأكثر استقراراً نسبياً مقارنة بباقي السلع.
الحرب الأخيرة تعمّق الأزمة وتعرقل التعافي
وفي قراءته للوضع العام، شدد شمس الدين على أن لبنان يعيش منذ عام 2019 انهياراً مالياً واقتصادياً عميقاً، حيث تقتصر قدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية ودفع الرواتب وتشغيل المرافق العامة.
وأضاف أن الحرب الأخيرة جاءت لتزيد من تعقيد الأزمة وتعرقل أي محاولات للتعافي، لافتاً إلى أن التحديات الأساسية اليوم تتمثل في إعادة إطلاق الدورة الاقتصادية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستعادة الودائع، وتأمين الخدمات الأساسية.
وختم بالتأكيد على أن استمرار الحرب لفترة أطول كان من شأنه أن يضاعف التداعيات الاقتصادية بشكل كبير، معتبراً أن الهدنة، رغم هشاشتها، ساهمت في تجنب سيناريو أكثر قسوة على الاقتصاد اللبناني.
وأشار إلى أن التوقعات السابقة بنمو اقتصادي قد يصل إلى 5% هذا العام أصبحت مهددة، وقد تنقلب إلى نمو سلبي، على أن تبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد المسار الفعلي للاقتصاد.
في المحصلة، هدنة اليوم، قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تُنهي تداعيات أزمة تتعمّق يوماً بعد يوم، اقتصادياً وإنسانياً، في بلدٍ ما زال يواجه آثار حربٍ ممتدة فوق انهيارٍ ماليٍ مستمر وتحديات معيشية متصاعدة.


