
لبنان - تشهد أسطح المباني في لبنان تحوّلاً لافتاً في السنوات الأخيرة، حيث باتت الألواح الشمسية تغطّي منازل المدن والقرى، إلى جانب المدارس والمؤسسات التجارية. ويعكس هذا المشهد أحد أسرع التحوّلات التي طالت البنية التحتية في البلاد.
ووفقاً للمركز اللبناني لحفظ الطاقة، ارتفعت القدرة المركّبة للطاقة الشمسية الكهروضوئية من 0.3 ميغاواط فقط عام 2010 إلى 1,081.3 ميغاواط بحلول نهاية عام 2023، مع تسارعٍ ملحوظ بعد عام 2021. فقد دفعت أزمة انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفة المازوت وانهيار الشبكة الكهربائية العديد من الأسر والمؤسسات إلى اعتماد الطاقة الشمسية كخيار عملي. وفي عام 2023 وحده، ساهمت الطاقة الشمسية بنحو 15 في المئة من مزيج الكهرباء في لبنان.
من أزمة الكهرباء إلى تحدّي التعليم
لم يكن هذا التحوّل نتيجة سياسات بيئية مخطّطة بقدر ما كان استجابة مباشرة للأزمة. فبالنسبة لكثير من اللبنانيين، شكّلت الطاقة الشمسية حلاً واقعياً لتعويض غياب الدولة عن تأمين الكهرباء، أكثر منها خياراً ضمن انتقال منظّم نحو الطاقة النظيفة.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: هل يواكب النظام التعليمي، ولا سيما التعليم التقني والمهني، هذا التحوّل المتسارع؟ وهل يتم إعداد الشباب لواقع أصبحت فيه البنية التحتية الخضراء جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد خيار إضافي؟
الحاجة إلى مهارات جديدة
يفرض توسّع قطاع الطاقة الشمسية طلباً متزايداً على مهارات متخصصة، تشمل تصميم الأنظمة، وتركيبها بشكل آمن، وصيانتها على المدى الطويل، فضلاً عن التعامل مع تقنيات متقدمة مثل أنظمة التخزين والربط بالشبكة. وقد بدأ لبنان بالفعل ببناء بعض القدرات في هذا المجال.
وفي هذا السياق، برز مشروع حديث لمنظمة العمل الدولية أُدخلت من خلاله الطاقة الشمسية مباشرة إلى المدارس التقنية والمهنية، بالشراكة مع مؤسسة الحريري ضمن إطار شراكة PROSPECTS. وشمل المشروع 11 مدرسة تقنية ومهنية وزراعية، ووفّر تدريباً عملياً مدفوع الأجر في مجال الطاقة الشمسية لأكثر من 80 شاباً وشابة.
التجربة الألمانية
تقدّم ألمانيا نموذجاً يمكن الاستفادة منه. إذ لم يتم دمج الاستدامة في التعليم المهني بشكل فوري، بل بدأ ذلك عبر مشاريع تجريبية منذ عام 2004، وفقاً للمعهد الفيدرالي الألماني للتعليم والتدريب المهني.
وتطوّر هذا المسار تدريجياً حتى بلغ محطة مفصلية في 1 أغسطس 2021، حين أصبحت “حماية البيئة والاستدامة” معياراً إلزامياً في جميع لوائح التدريب الجديدة، ما يعكس مواءمة واضحة بين النظام التعليمي ومتطلبات التحوّل البيئي.
نحو تعليم يواكب الاقتصاد الأخضر
في ضوء هذا التحوّل، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في دور التعليم. فإذا كانت الطاقة الشمسية قد أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، فإن مفاهيم الاستدامة يجب أن تندمج بدورها في العملية التعليمية بشكل أعمق.
ينبغي أن يتعرّف طلاب المدارس الرسمية إلى مبادئ الاستدامة من خلال ممارسات يومية، مثل إدارة الطاقة والنفايات، وتصميم المشاريع التطبيقية، لا من خلال مبادرات توعوية عابرة. وعند انتقالهم إلى التعليم المهني، يفترض أن يكونوا قد أدركوا أن البنية التحتية الخضراء تمثّل مجالاً مهنياً واعداً، لا فكرة هامشية.
دخل لبنان فعلياً عصر الطاقة الشمسية، لكن التحدي اليوم يتمثّل في ضمان ألا يكتفي الشباب بمواكبة هذا التحوّل، بل أن يمتلكوا الأدوات والمهارات اللازمة لقيادته.