
العالم – لعقود طويلة، اعتمد الاقتصاديون على مجموعة مألوفة من المؤشرات لقياس صحة الاقتصاد العالمي: تراكم رأس المال، عرض اليد العاملة، انفتاح التجارة، ومكاسب الإنتاجية الناتجة عن تفاعل عنصري الإنتاج الأساسيين. وقد وفّرت هذه المبادئ إطاراً موثوقاً، وإن لم يكن مثالياً، لفهم مصادر النمو وكيفية استدامته. إلا أن هذا الإطار يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة.
شهد العقد الماضي سلسلة من الاضطرابات المتراكمة في الاقتصاد العالمي: جائحة أعادت تشكيل الأسواق بين ليلة وضحاها، توترات تجارية كشفت هشاشة سلاسل التوريد المترابطة، صدمات مناخية أعادت تسعير المخاطر في قطاعات كاملة، وإعادة تموضع جيوسياسي تحدّى الافتراضات التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب الباردة من التكامل الاقتصادي. مجتمعة، لم تؤدِّ هذه العوامل إلى إبطاء النمو فحسب، بل غيّرت أيضاً شروطه الأساسية.
وقد عمّقت التكنولوجيا هذا التحوّل البنيوي. فالتطور السريع في الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف كلٍّ من العمل ورأس المال، من خلال تغيير كيفية توليد الإنتاجية، ومن يقوم بذلك، وأي الأصول يكتسب قيمة في الاقتصاد الحديث. لم تختفِ عوامل الإنتاج التقليدية، لكنها لم تعد تعمل بالمنطق نفسه.
يُقنّن تقرير صادر في نيسان 2026 عن المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان النمو في الاقتصاد الجديد: نحو إطار عمل ما لاحظه العديد من الاقتصاديين: استراتيجيات النمو التقليدية لم تعد قادرة على تحقيق العوائد في الاقتصاد الجديد. واستناداً إلى توقعات صندوق النقد الدولي واستطلاع شمل أكثر من 11,000 مدير تنفيذي في أكثر من 100 دولة، يشير التقرير إلى أن الاقتصاد الجديد يتطلب إطاراً مرناً يأخذ في الاعتبار في الوقت نفسه التحولات التكنولوجية، والمتطلبات المناخية، وارتفاع الديون، والتجزؤ الجيوسياسي.
إعادة رسم جغرافيا النمو العالمي
بالتوازي مع هذه التحولات البنيوية، تتغير أيضاً الجغرافيا الاقتصادية للنشاط العالمي. يتوقع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أن تمثل الاقتصادات متوسطة الدخل 65% من النمو التراكمي للناتج المحلي الإجمالي العالمي بين عامي 2025 و2030، وهو تحوّل كبير مقارنة بمرحلة الاقتصادات المتقدمة التي كانت تتركز فيها نسبة الإنتاج. ومن المتوقع أن تساهم آسيا وحدها بنحو 50% من النمو العالمي خلال الفترة نفسها، ما يعكس استمرار صعود الاقتصادات الناشئة والتكتلات الإقليمية كمحركات رئيسية للتوسع. في المقابل، ورغم تسجيل الاقتصادات منخفضة الدخل أعلى معدلات نمو سنوية عند 7.4%، إلا أنها ستشكل فقط 1% من النمو العالمي.
ما تشير إليه هذه التوقعات ليس مجرد انتقال للنمو من مجموعة دول إلى أخرى، بل إعادة صياغة للشروط التي ينمو وفقها الاقتصاد.
الصناعات في الاقتصاد الجديد: أبرز قطاعات النمو
لا تتمتع جميع القطاعات بالقدرة نفسها على الاستفادة من التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. واستناداً إلى توقعات الناتج المحلي الإجمالي لصندوق النقد الدولي، إلى جانب آراء أكثر من 11,000 مدير تنفيذي شملهم استطلاع المنتدى الاقتصادي العالمي، تتضح صورة قطاعات النمو حتى عام 2030.
ما تظهره البيانات
تأتي خدمات تكنولوجيا المعلومات في المرتبة الأولى كأهم محرك متوقع للنمو الاقتصادي، مع درجة مرجّحة تبلغ 11.5 من أصل 100، متقدمة بفارق واضح عن باقي القطاعات. ويعكس ذلك مدى تحوّل التحول الرقمي إلى عامل عابر لكل القطاعات، إذ يساهم في رفع الإنتاجية في الصناعة والمالية والرعاية الصحية والتجارة في آن واحد.
وتظهر الصناعات التحويلية المتقدمة (7.7)، والرعاية الصحية (7.1)، والضيافة والترفيه (6.8) إمكانات نمو قوية، مدفوعة بالتحديث الصناعي والتحول المستمر نحو اقتصاد الخدمات المرتبط بالتغيرات الديموغرافية وسلوك المستهلك. أما الزراعة (5.3)، إلى جانب قطاعات متوسطة مثل الطاقة والخدمات المالية والإعلام (بين 4.7 و4.9)، فتشير إلى نمو معتدل لكنه مستقر.
في المقابل، جاءت قطاعات تقليدية مثل العقارات (2.0)، والإلكترونيات (1.8)، والكيماويات والمواد المتقدمة (1.6) ضمن الأدنى من حيث توقعات النمو.
نظرة إلى المستقبل
إن التحولات التي يعرضها هذا التقرير ليست تغييرات مؤقتة. فإعادة توجيه النمو نحو الاقتصادات متوسطة الدخل، وصعود خدمات تكنولوجيا المعلومات والصناعات المعرفية، وتراجع دور القطاعات كثيفة رأس المال، كلها تشير إلى إعادة تشكيل بنيوي لكيفية وأماكن خلق القيمة الاقتصادية.
وبالنسبة للاقتصادات في مراحل التنمية المختلفة، فإن التداعيات كبيرة. فالنمو في الاقتصاد الجديد يكافئ البنية التحتية الرقمية، ورأس المال البشري، والمرونة المؤسسية، أكثر من اعتماده على الموارد الطبيعية أو حجم التصنيع. كما أن مسار الانتقال من الاقتصادات منخفضة الدخل إلى مرتفعة الدخل يتغير.
ولا يأتي الاقتصاد الجديد بنموذج جاهز. بل إنه يطلب من الحكومات والشركات القدرة على بناء نماذجها الخاصة، والاستمرار في تطويرها مع تغيّر الظروف.





