
لبنان - في مزرعة يشوع، وبين رفوف تمتد عليها كتب الأدب العربي، تبدو هذه المساحة أشبه بذاكرة حيّة.
دار صادر هو إرثٌ ثقافيّ متوارث، ولا تزال بعض عناوينه قيد التداول منذ أكثر من قرن، حيث أُعيدت طباعتها ومراجعتها وحُفظت عبر أجيال متتالية.
في هذه الدار، تتأمل سارة صادر معنى أن تنتمي إلى دار نشر أسّستها العائلة وتوارثتها الأجيال، حيث لا يقتصر الأمر على إدارة مؤسسة، بل يمتد إلى مسؤولية ثقافية في الحفاظ على التراث الأدبي العربي وإعادة نشره ونقله من جيل إلى جيل.
وتقول سارة لانمائية: "دار صادر ليست مجرد دار نشر، بل هي أيضًا حارس للتراث الأدبي العربي. ومسؤولية كبيرة أن نواصل حفظ هذه الأعمال ونقلها إلى الأجيال القادمة."
حفظ الذاكرة الأدبية العربية
في عام 1863، افتتح إبراهيم صادر مكتبة في وسط بيروت. ومن سليم ويوسف صادر إلى أنطون صادر، ثم الأجيال اللاحقة، تطوّرت المؤسسة بالتوازي مع المشهد الأدبي العربي نفسه.
ومن أبرز إسهاماتها أعمال بقيت في قلب الذاكرة الثقافية العربية، مثل المتنبي الذي نُشر لأول مرة لدى دار صادر عام 1900، وكليلة ودمنة عام 1912، وطبعة غير مختصرة من ألف ليلة وليلة التي لا تزال تُطبع منذ عام 1926.وهذه نصوص حيّة ما زالت تتداول في مختلف أنحاء العالم العربي وخارجه.
وبالنسبة لسارة، لا يقوم هذا الإرث على الحنين بقدر ما يقوم على الاستمرارية. وتقول: "ما بقي ثابتًا هو الرؤية طويلة المدى؛ فالنشر ليس لحظة عابرة، بل مشروع للمستقبل". وتضيف: "ما لدينا ليس مجرد عمل تجاري، بل رسالة نحمل مسؤولية مواصلتها ونقلها".
وتضيف: "هناك ثقافة راسخة تقوم على التعلّم من خلال التواجد اليومي داخل العمل. وأنا أرافق والدي وعمّي في مختلف المراحل، من اتخاذ القرارات التحريرية، إلى عمليات الإنتاج والتوزيع، وصولًا إلى المشاركة في معارض الكتب، ما يتيح لي فهم كل تفصيل في هذه المنظومة بشكل عملي ومباشر".
وهذا التعلّم العملي يعكس فلسفة أوسع، إذ لا ينفصل العمل في دار صادر عن الحياة اليومية، بل يتشكّل من خلال التواصل مع أصحاب المكتبات والمشاركة في معارض الكتب. وتقول إن الخبرة في هذه الدار تُكتسب من تفاصيل العمل اليومية وساعاته المتواصلة.
عملية الاختيار مسؤولية ثقافية
اليوم، تواصل دار صادر موازنة تركيزها على الشعر والتراث والتاريخ مع واقع صناعة نشر يتغير بسرعة. ورغم كثرة الأعمال المقدّمة للنشر، تبقى عملية الاختيار دقيقة ومدروسة.
وتقول سارة: "الاختيارات التحريرية تُبنى على التوازن، ومع الوقت، تتكوّن لدى الإنسان خبرة حدسية في ما يستحق النشر وما يجب الحفاظ عليه".
في عصر أصبح فيه النشر أكثر انفتاحًا، تشير سارة إلى أن الحضور الثقافي قد تغيّر. وتقول إن النشر ما زال يحتفظ بدوره الثقافي، لكنه أصبح أكثر تشتّتًا. ومع ذلك، تبقى المصداقية قيمة أساسية تحتاج إلى بناء مستمر وصون دائم، وهنا يبرز دور دور النشر العريقة.
بين الأرشيف والمستقبل الرقمي
في الوقت نفسه، تعمل دار صادر على مواكبة التحوّلات. وأصبحت رقمنة الأرشيف أولوية أساسية لضمان حفظ هذا الإرث خارج الإطار الورقي.
ومع ذلك، يبقى الكتاب الورقي في قلب هوية الدار. وتقول سارة انه لا يزال هناك تعلق قوي بالكتب المطبوعة، مشيرة إلى الأداء المستمر لمجموعات الشعر في أسواق مثل السعودية والعراق ومصر.
وتشير سارة الى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين القديم والجديد، بل في القدرة على التوفيق بينهما ضمن رؤية واحدة متوازنة. ونحن نتكيّف مع التحوّلات من دون أن نفقد ما يميّزنا. فالالتزام الثقافي هو الأساس، لكن الاستدامة هي ما يضمن استمرار هذا الالتزام عبر الزمن".
إرث يتجدّد
في الختام، تعكس قصة دار صادر مسار النشر العربي نفسه، جذور راسخة في التراث، تحوّلات متسارعة فرضتها السياسة والتكنولوجيا، وإعادة تعريف مستمرة للدور الثقافي.
وترى سارة أن مستقبل الدار يجب أن يقوم على التوسّع الواعي والمنفتح، بما يتيح لها الحفاظ على دورها كمرجع في الشعر والتراث العربي، وفي الوقت نفسه التطوّر نحو مساحة أكثر حيوية تنبض بأصوات جديدة، يلتقي فيها القرّاء والكتّاب والمفكرون ويتفاعلون ويتبادلون الأفكار والخبرات.