وفي لبنان، لم تعد مسألة التلقيح مجرد قرار طبي، بل أصبحت موضوعًا للنقاش الاجتماعي.
وفي لبنان، لم تعد مسألة التلقيح مجرد قرار طبي، بل أصبحت موضوعًا للنقاش الاجتماعي.

لبنان – في السابق، كانت اللقاحات جزءًا بديهيًا من الحياة اليومية. زيارة إلى الطبيب، حقنة سريعة، وشعور بالاطمئنان بأن الأطفال محميون من أمراض لطالما أثارت الخوف عبر الأجيال. أما اليوم، فلم يعد هذا اليقين مضمونًا.

وفي لبنان، لم تعد مسألة التلقيح مجرد قرار طبي، بل أصبحت موضوعًا للنقاش الاجتماعي. ويطرح الأهل مزيدًا من الأسئلة، وفي بعض الحالات يرفضون اللقاحات بالكامل. وهذه الظاهرة المتنامية، المعروفة بالتردد في تلقي اللقاح، تعكس تحوّلًا أعمق في كيفية إدراك الناس للصحة والمخاطر.

واللقاحات نفسها لم تتغيّر. فهي لا تزال واحدة من أكثر الأدوات فعالية في مجال الصحة العامة، إذ تُدرّب الجهاز المناعي على التعرّف إلى الأمراض ومكافحتها بشكل آمن. وعلى مستوى العالم، تنقذ ملايين الأرواح سنويًا. ومع ذلك، في لبنان، تراجعت معدلات التلقيح الروتيني بشكل ملحوظ منذ جائحة كوفيد-19، وعادت أمراض مثل الحصبة إلى الظهور، ما يذكّرنا بأن هذه الأمراض لم تختفِ يومًا بشكل كامل.

فلما يحدث ذلك؟

يكمن جزء من الإجابة في ما يُعرف بـ"الثلاثة C": الثقة، والسهولة (إمكانية الوصول)، واللامبالاة. ففي بلد يواجه أزمات اقتصادية ومؤسساتية واجتماعية متداخلة، تزعزعت الثقة في الأنظمة العامة، ولم يكن القطاع الصحي بمنأى عن ذلك.

وأظهرت دراسة حديثة على أهالي في لبنان أن الذين تعرّضوا للتمييز في البيئات الطبية كانوا أكثر عرضة للتردد في تلقيح أطفالهم. فعندما يشعر الناس بأنهم غير مسموعين أو مُساء معاملتهم أو مُستبعَدون، تصبح علاقتهم بالنظام الصحي هشّة، وقد يمتد هذا الضعف ليشمل اللقاحات.

لكن الثقة ليست سوى جزء من الصورة.

هناك أيضًا مسألة سهولة الوصول. قد تكون اللقاحات مجانية رسميًا في لبنان، لكن الوصول إليها ليس دائمًا بسيطًا. وتكاليف النقل، وضيق الوقت، وعدم تكافؤ الوصول إلى الخدمات الصحية، خاصة خارج المدن الكبرى، كلها عوامل قد تؤثر على التزام العائلات بالتلقيح. بالنسبة للبعض، لا تكمن المشكلة في الإيمان باللقاحات، بل في القدرة الفعلية على الوصول إليها.

أما بالنسبة لكثير من العائلات، فتتأثر القرارات أيضًا بما يُعرف باللامبالاة، أي كيفية إدراك المخاطر. فعندما لا تكون أمراض مثل شلل الأطفال أو الحصبة مرئية بشكل مباشر، قد تبدو بعيدة أو غير محتملة. وفي الوقت نفسه، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا قويًا للمعلومات، وغالبًا ما تُطمس فيها الحدود بين الحقائق والمعلومات المضللة. في هذا السياق، يمكن أن تنتشر المخاوف بشأن سلامة اللقاحات أو آثارها الجانبية أو حتى ضرورتها بسرعة.

وتُبرز الدراسة نفسها أهمية الثقافة اللقاحية، إذ إن الأهل الذين يمتلكون فهمًا أفضل لكيفية عمل اللقاحات يكونون أقل عرضة للتردد. وهذا يشير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الرفض، بل في فجوة في المعلومات الموثوقة وسهلة الوصول.

وبمجملها، تكشف هذه العوامل حقيقة مهمة: التردد في تلقي اللقاحات ليس قضية واحدة ذات سبب واحد، بل هو نتيجة لتجارب الناس مع النظام الصحي، وطريقة تلقيهم للمعلومات، وكيفية تعاملهم مع تحدياتهم اليومية.

فأين نحن من كل ذلك؟

إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من حملات توعية. فهي تستدعي إعادة بناء الثقة في الأنظمة الصحية، وضمان معاملة عادلة ومحترمة، وتقديم معلومات واضحة وسهلة الوصول وذات صلة. كما تعني أيضًا الوصول إلى الناس حيث هم، سواء في العيادات أو المدارس أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي، والانخراط في حوار معهم بدل الاكتفاء بإيصال الرسائل.

لأن التلقيح، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للوقاية من الأمراض، بل هو تعبير عن الثقة في نظام يَعِد بالرعاية والأمان والمساءلة. وإعادة بناء هذه الثقة قد تكون الخطوة الأهم لضمان استمرار اللقاحات في حماية الأجيال القادمة.