
لبنان – يوم العمال هو مناسبة للتفكير في قيمة العمل ومن يحصل فعليًا على فرص الوصول إليه. وفي لبنان، تُقدّم أحدث بيانات القوى العاملة الوطنية، التي جُمعت في كانون الثاني 2022 من قبل إدارة الإحصاء المركزي (CAS) بالتعاون مع منظمة العمل الدولية (ILO)، صورة مفصّلة وغالبًا ما يتم تجاهلها حول هذا الواقع. ورغم أن معدل البطالة البالغ 29.6% يُعد مرتفعًا بشكل كبير، إلا أنه لا يعكس سوى جزء من المشهد، إذ تكشف نظرة أعمق إلى مفهوم "الاستخدام الناقص للقوى العاملة" عن أبعاد أوسع للأزمة.
يقيس معدل البطالة عدد الأشخاص الذين يبحثون عن عمل من دون أن يتمكنوا من العثور عليه. أما مفهوم الاستخدام الناقص للقوى العاملة فيتجاوز هذا التعريف، إذ يشمل أيضًا الأفراد الذين يعملون لساعات أقل مما يرغبون أو يحتاجون (العمالة الناقصة من حيث الوقت)، إضافة إلى أولئك المتاحين للعمل لكنهم توقفوا عن البحث عنه، ويُعرفون بـ"القوى العاملة المحتملة".
تشمل هذه الفئة الأشخاص القادرين والمستعدين للعمل إذا تحسّنت الظروف. ويقدّم مؤشر منظمة العمل الدولية المستخدم لقياس الاستخدام الناقص، والمُسمّى LU4، رؤية شاملة تجمع هذه الفئات جميعها. في لبنان عام 2022، بلغ هذا المؤشر 50.1%، مقارنة بـ16.2% في الفترة 2018–2019. وهذا يعني أن نحو واحد من كل اثنين ضمن القوى العاملة لم يتم استغلاله بشكل فعّال. وتكون الأرقام بين النساء والشباب أكثر حدة.
الفجوة الأكبر: النساء والشباب
في عام 2022، بلغت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة في لبنان 22.2% مقارنة بـ66.2% لدى الرجال، ما يعكس فجوة كبيرة تقارب 40 نقطة مئوية. وسُجّل معدل بطالة النساء عند 32.7%، فيما بلغ معدل الاستخدام الناقص 57.1%، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواه في 2018–2019.
وتُعد نسبة مشاركة النساء في لبنان متدنية حتى بالمقارنة الإقليمية. ففي الدول العربية غير الخليجية، يبلغ المعدل الوسطي حوالي 11.7%، وهو الأدنى عالميًا. وتشير تقارير منظمة العمل الدولية حول “اتجاهات التوظيف العالمية للشباب 2024” إلى أن الدول العربية تسجل أكبر فجوة جندرية في معدلات التوظيف، حيث تُستبعد الشابات بشكل شبه كامل من سوق العمل الشبابي.
وبين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، يقترب نصفهم من البطالة، فيما يصل معدل الاستخدام الناقص LU4 إلى 64.2%، أي أن نحو اثنين من كل ثلاثة شباب لبنانيين إما خارج العمل، أو يعملون بشكل ناقص، أو توقفوا عن البحث عن عمل. ووفقًا للبنك الدولي، أدّت الأزمة الاقتصادية في لبنان إلى تسريع هجرة الكفاءات، إذ غادر الشباب المتعلمون والمهنيون بحثًا عن فرص أفضل في الخارج، خصوصًا في مجالي الصحة والتعليم.
وهذا يخلق حلقة مفرغة: سوق عمل غير قادر على استيعاب الشباب يدفعهم إلى الهجرة، ما يؤدي بدوره إلى إضعاف الشركات والخدمات والاستثمارات التي يمكن أن تولّد فرص عمل جديدة. وينتج عن ذلك فقدان تدريجي لرأس المال البشري الذي يحتاجه الاقتصاد اللبناني للتعافي.
ما الذي يمكن فعله؟
تُشير منظمة العمل الدولية، في تقرير "آفاق التوظيف والحماية الاجتماعية في الدول العربية 2024"، إلى خطوات عملية أثبتت فعاليتها في سياقات مشابهة. وتشمل هذه الخطوات توسيع الوصول إلى خدمات رعاية الأطفال بأسعار ميسّرة لتمكين المزيد من النساء من دخول سوق العمل والاستمرار فيه، وإزالة العوائق التي تحد من وصول النساء إلى الوظائف الرسمية، والاستثمار في برامج تساعد الشباب على الانتقال من التعليم إلى العمل. وفي الوقت نفسه، يمكن للسياسات الاقتصادية الأوسع أن تشجع النمو في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، حيث تتناسب المهارات بشكل أفضل مع الفرص المتاحة.
وفي لبنان، ترتبط هذه الأولويات بشكل مباشر بكيفية عمل سوق العمل اليوم. فالكثير من الشباب مستعدون للعمل لكنهم يواجهون صعوبة في إيجاد فرص تتناسب مع مهاراتهم. والعديد من النساء يرغبن في المشاركة بشكل أكبر في الاقتصاد، لكنهن يواجهن قيودًا بنيوية واجتماعية. ونتيجة لذلك، يبقى جزء كبير من القوى العاملة غير منخرط بشكل كامل.
معالجة هذا الواقع لا تقوم على سياسة واحدة، بل على تقدم تدريجي ومنسّق. فتعزيز المؤسسات، ودعم القطاعين العام والخاص، والاستمرار في الاستثمار في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، كلها عناصر أساسية لبناء اقتصاد أكثر شمولًا وإنتاجية.
إن تحدّي سوق العمل في لبنان لا يقتصر على خلق وظائف جديدة، بل يشمل أيضًا تحسين استثمار الطاقات البشرية الموجودة أصلًا والراغبة في المساهمة. والانتقال في هذا الاتجاه يمهّد لمسار نحو نمو أكثر توازنًا واستدامة.





