تجربة إعلامية لبنانية تكسر التابو وتعيد تعريف الحوار
تجربة إعلامية لبنانية تكسر التابو وتعيد تعريف الحوار

لبنان - في وقت تتراجع فيه مساحات الحوار الحقيقي في الإعلام اللبناني، يطلّ برنامج "مش مسرحية" ليكسر هذا النمط، ويقدّم تجربة مختلفة قائمة على الجرأة، العفوية، وصوت الشباب اللبناني.

وفي هذه المقابلة، يتحدّث الإعلامي جو معلوف في مقابلة خاصة مع انمائية عن خلفيات البرنامج، أهدافه، والتحديات التي يواجهها.

منذ اللحظة الأولى، يتضح أن "مش مسرحية" ليس مجرد برنامج حواري تقليدي، بل تجربة اجتماعية متكاملة. ويشرح معلوف أن الفكرة جاءت بعد سنوات طويلة في الإعلام، حيث شعر كغيره من المشاهدين بالملل من القوالب المكررة، فكان البحث عن فكرة برنامج جديد ضرورة، لا خيارًا. وهكذا وُلد البرنامج كمساحة تجمع بين الفن والنقاش، وتمنح الشباب فرصة التعبير عن آرائهم بحرية، حتى في المواضيع التي تُعتبر "تابو" في المجتمع اللبناني.

اسم يحمل رسالة مزدوجة

اختيار اسم "مش مسرحية" لم يكن عشوائيًا. هو يحمل رسالة مزدوجة، فمن جهة، يعكس وجود عناصر فنية كالمسرح والأداء، ومن جهة أخرى، يرفض فكرة التمثيل أو التزييف، ليؤكد أن ما يُعرض هو الواقع كما هو. ويشير معلوف إلى أن الاسم يحمل أيضًا بعدًا نقديًا للواقع السياسي في لبنان، حيث "كل البلد صار مسرحية"، على حد تعبيره.

وأحد أبرز عناصر البرنامج هو العفوية. لا تدريبات مسبقة للمشاركين، ولا نصوص جاهزة، بل لقاء واحد قبل الحلقة وعناوين عامة فقط. والهدف هو إبقاء النقاش صادقًا وغير مصطنع. ورغم ذلك، يلفت معلوف إلى أن المشاركين يطوّرون أنفسهم تدريجيًا، ويصبحون أكثر جاهزية مع الوقت، ما يعكس تجربة تعلم جماعية داخل البرنامج.

أما عن القضايا المطروحة، فيوضح أن الخطة الأصلية كانت تركّز بشكل كبير على المواضيع الاجتماعية وحقوق الإنسان، لكن الأوضاع في لبنان فرضت نفسها، فأخذت السياسة مساحة أكبر في الحلقات الأولى. ومع ذلك، يشدد على أن البرنامج سيتجه أكثر نحو القضايا الاجتماعية في المراحل المقبلة.

التوتر كجزء من العلاج والحوار

والتوترات التي تظهر بين المشاركين ليست مصدر قلق بالنسبة له، بل على العكس، يراها صحية وضرورية. فبرأيه، لا يمكن معالجة الانقسامات من دون مواجهتها. ويشبه ذلك بجلسات العلاج النفسي، حيث لا يبدأ التغيير الحقيقي إلا عند فتح الجروح والكلام بصراحة.

وعلى صعيد التفاعل، يشير معلوف إلى أن المشاركين يتعرضون أحيانًا لانتقادات قاسية وتنمّر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن المفاجئ كان بقدرتهم على التحمّل، بل ورفضهم إغلاق التعليقات. وهذا التفاعل، رغم سلبياته، يُستخدم أيضًا كمادة للدراسة، لفهم سلوك الجمهور واتجاهاته.

من النقاش إلى المبادرات على الأرض

ولا يقتصر البرنامج على النقاش فقط، بل يمتد إلى مبادرات اجتماعية. الهدف، كما يقول معلوف، هو أن يتحوّل الخلاف على الهواء إلى تعاون على الأرض، وأن يرى الناس شبابًا يختلفون سياسيًا لكن يجتمعون على عمل إنساني.

وعن دور الفن، يعتبر معلوف أنه عنصر أساسي في التغيير، وأنه كان دائمًا شريكًا في الثورات الفكرية حول العالم. لذلك، يحرص البرنامج على إعطاء مساحة كبيرة للمواهب الشابة، وليس فقط للأسماء المعروفة، لإيصال رسائل إنسانية ووطنية بأساليب مختلفة.

رسالة إلى الشباب اللبناني

وفي ختام الحديث، يوجّه معلوف رسالة واضحة إلى الشباب اللبناني: لا تخافوا من التعبير عن آرائكم، ولا تبتعدوا عن السياسة. فالتغيير يبدأ من المشاركة، والهدف النهائي هو الوصول إلى جيل أكثر وعيًا، قادر على التأثير في الانتخابات وصناعة القرار في المستقبل.

"مش مسرحية" ليس مجرد برنامج تلفزيوني، بل محاولة لكسر الصمت، وإعادة فتح النقاش في بلد اعتاد دفن مشاكله بدل مواجهتها. وهذه التجربة قد تكون صادمة للبعض، لكنها، كما يؤكد معلوف، ضرورية، لإلقاء الضوء على قضايا مسكوت عنها، ودفع الأفراد والمجتمع نحو مواجهة الواقع بدل تجاهله.