
لبنان – يعيش نحو تسعة من كل عشرة أشخاص في المناطق الحضرية في لبنان. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، بلغ عدد سكان لبنان نحو 5.8 مليون نسمة في عام 2024، يعيش 89.6% منهم في المدن والبلدات، أي حوالي 5.2 مليون شخص في بلد صغير لا تتجاوز مساحته 10,450 كلم².
لكن هذه الأرقام لا تعكس فقط واقعاً سكانياً، بل تكشف أيضاً عن تحدٍّ أعمق يتعلق بمدى قدرة السكان على الوصول إلى الطبيعة داخل بيئة حضرية مكتظة.
وبالنسبة لكثيرين في لبنان، لم تعد الطبيعة تعني الغابات أو المسارات الجبلية، بل باتت تتمثل في الشجرة على الرصيف، والحديقة الصغيرة بين الأبنية، ومجرى النهر خلف الإسمنت، أو الحدائق العامة القليلة المتاحة للجميع.
مدينة بلا طبيعة
والصادم هنا أنه في بيروت، أظهرت دراسة حديثة أن المساحة الخضراء لا تتجاوز نحو 0.8 متر مربع للفرد، فيما لا تشكل المناطق الخضراء سوى 11% من المساحات العامة. وهذه نسبة منخفضة جداً مقارنة بما تحتاجه مدينة صحية.
لذلك، عند الحديث عن التنوع البيولوجي، لا يقتصر التركيز على الغابات والمناطق المحمية، بل يمتد أيضاً إلى داخل المدينة.
والتنوع البيولوجي الحضري يعني الطبيعة الحية الموجودة داخل المدن وحولها: الأشجار، الطيور، الحشرات، النحل، الفراشات، التربة، الحدائق، الأنهار، الأراضي الرطبة، المناطق الساحلية، وحتى الشرفات المزروعة.
قد يبدو الأمر بسيطاً، لكنه في الواقع ليس كذلك.
فالطبيعة الحضرية تُبرّد المدينة، وتنقّي الهواء، وتوفر الظل، وتدعم الملقّحات، وتمتص مياه الأمطار، وتقلّل مخاطر الفيضانات، وتمنح الناس مساحة للمشي والتنفس والراحة واللقاء.
وفي بلد يواجه صيفاً أكثر حرارة، واكتظاظاً مرورياً، وتلوثاً، وتراجعاً في المساحات العامة، لا يُعدّ التنوع البيولوجي الحضري ترفاً، بل بنية تحتية أساسية.
وتعترف الاستراتيجيات الوطنية للتنوع البيولوجي في لبنان بهذه المشكلة. فقد حدّدت استراتيجية 2016 التوسع العمراني العشوائي كأحد أبرز أسباب فقدان الموائل وتجزئتها. أما استراتيجية 2025 المحدثة، فذهبت أبعد من ذلك، داعية إلى زيادة المساحات الخضراء والزرقاء في المناطق الحضرية الكثيفة، ووضع إرشادات للتشجير الحضري، واستخدام الأنواع النباتية المحلية، وإنشاء حدائق مظللة، ودمج الطبيعة بشكل أفضل في خطط المدن.
وقد بدأت بعض الجهود بالفعل. فقد دعمت “موئل الأمم المتحدة” (UN-Habitat) إعادة تأهيل المساحات العامة، بما في ذلك حديقة الميناء العامة في شمال لبنان. كما دفعت “جمعية حماية الطبيعة في لبنان” نحو اعتبار وادي نهر بيروت ممرًا بيئياً. وتعمل “المبادرة اللبنانية لإعادة التشجير” على زيادة المساحات الخضراء الحضرية. وقامت مبادرة Beirut RiverLESS بزراعة أكثر من 1200 شجرة وشجيرة محلية على طول نهر بيروت.
لكن هذه الجهود لا تزال متفرقة.
إذا كان نحو 90% من السكان يعيشون في المدن، فإن حماية التنوع البيولوجي يجب أن تصبح أولوية حضرية. فالحدائق والأشجار والأنهار والمساحات الخضراء ليست ترفاً، بل ركيزة أساسية للحق في مدينة أكثر صحة وجودة حياة أفضل.