
لبنان - في وقتٍ باتت فيه البرامج الحوارية قائمة على السرعة، المقاطعة، والبحث عن "الترند"، اختار برنامج Table 3 أن يسلك طريقاً مختلفاً تماماً. فالمشروع لم ينطلق كفكرة تلفزيونية تقليدية، بل بدأ بسؤال وجودي وإنساني: كيف يمكن خلق مساحة يهدأ فيها الإنسان وسط هذا العالم السريع والفوضوي، ويشعر أنه مسموع بالفعل؟
وفي مقابلة خاصة مع "إنمائية"، كشف فريق عمل برنامج "Table 3" عن الرؤية الإنسانية والفلسفة التي تقف خلف هذا المشروع الحواري المختلف، مؤكدين أن هذا السؤال شكّل أساس هوية البرنامج بالكامل، ووجّه كل الخيارات الفنية والبصرية التي اعتمدتها شركة الإنتاج. فالهدف لم يكن صناعة “مشهد تلفزيوني” بقدر ما كان خلق مساحة حقيقية وصادقة تسمح للناس بأن يقتربوا من بعضهم البعض بعيداً عن الأداء والاستعراض.
لهذا السبب، جاءت طريقة التصوير، الإضاءة، الموسيقى، الإيقاع، وحتى الصمت أحياناً، كعناصر مدروسة هدفها تقريب المشاهد من الإنسان الحقيقي، لا من الصورة التي يحاول تقديمها أمام الكاميرا. وترى شركة الإنتاج أن العمق العاطفي لا يُصنع عبر الضجيج، بل عبر التفاصيل الصغيرة: لقطة تستمر لثوانٍ إضافية، سؤال يُطرح بهدوء، أو مساحة تمنح الضيف حرية أن يكون على طبيعته.
وحتى أسلوب إليسا في الكلام، بإيقاعه البطيء، أصبح جزءاً من الهوية البصرية والإنسانية للبرنامج. ففي زمنٍ يركض فيه الجميع ويتحدثون بسرعة، فرض حضورها إيقاعاً مختلفاً يجبر المشاهد على التمهّل، الاستماع، والشعور بعمق أكبر.
وفي النهاية، كان الهدف الأساسي أن يشعر كل شخص يشاهد البرنامج من منزله بأن Table 3 يشبهه.

"الصوت الثالث"... الفكرة التي تختصر روح البرنامج
يحمل شعار البرنامج المستوحى من زهرة "التريليوم" رمزية التوازن والتقاء ثلاث أصوات في نقطة واحدة، وهي الفكرة التي بُني عليها مفهوم "الصوت الثالث".
وبالنسبة لشركة الإنتاج، لا يقتصر دورها على تنظيم الحوار فقط، بل يتمثّل أيضاً بحمايته. فهي ترى نفسها الجهة التي تخلق مساحة آمنة وصادقة تسمح للحوار بأن يحدث بعيداً عن الاستعراض الإعلامي المعتاد، وتحافظ على أن يبقى الإنسان أهم من الصورة.
أما المعنى الثاني لـ "الصوت الثالث"، فهو المشاهد نفسه. ففي “Table 3”، لا يُنظر إلى الجمهور كمجرد متفرّج، بل كجزء فعلي من الطاولة والحوار. كل شخص يحمل خوفاً أو تعباً أو أملاً أو سؤالاً، يجد نفسه ممثَّلاً داخل هذه المساحة الإنسانية.
ويبقى المعنى الثالث الأكثر عمقاً: الصمت. ففي زمنٍ يرتفع فيه الصوت والمقاطعة، اختار البرنامج أن يمنح مساحة للتأمل، للإصغاء، وللإنسان كي يأخذ وقته الطبيعي في التعبير.
وترى شركة الإنتاج أن وجود إلياس وإليسا لعب دوراً محورياً في تجسيد هذه الفلسفة، لأن الاختلاف في طريقة التعبير أو بطء الكلام لم يُعتبر عائقاً، بل قيمة تدفع الناس إلى الاستماع بعمق أكبر.
وحتى فكرة "الطاولة" لم تأتِ صدفة، إذ تمثّل الطاولة في البيوت اللبنانية مساحة تجمع الناس مهما اختلفوا، وحولها تدور النقاشات والمصالحات والقصص الإنسانية، وهي تماماً الروح التي سعى البرنامج إلى بنائها.

إعادة الحوار إلى مكانه الطبيعي
منذ البداية، اتُّخذ قرار واضح بعدم استضافة “حالات” أو “ترندات” أو صور إعلامية جاهزة، بل أشخاص حقيقيين يحملون تجارب ورسائل وقصصاً إنسانية.
حتى اختيار إلياس وإليسا كان جزءاً أساسياً من هذا التوجّه. ففي الإعلام التقليدي، قد يُنظر إلى وجود شخص يعيش مع الشلل الدماغي أو Dandy-Walker أمام الكاميرا كـ “تحدٍّ”، لكن فريق العمل رأى الأمر بطريقة مختلفة تماماً. فالسؤال بالنسبة لهم كان: من قال إن هناك نوعاً معيناً من الناس يجب أن يكون صوته مسموعاً أكثر من غيره؟
ومن هنا، تحوّل “Table 3” إلى أكثر من مجرد برنامج حواري؛ أصبح مساحة تعيد تعريف من يُسمَع صوته، وكيف يمكن للإعلام أن يكون أكثر عدلاً وصدقاً وإنسانية.

SESOBEL... الخلفية التي صنعت هوية البرنامج
شكّلت تجربة إلياس وإليسا الإنسانية، وخصوصاً عملهما مع SESOBEL، جزءاً أساسياً من هوية البرنامج. فشركة الإنتاج تؤكد أنها لم تحاول “صناعة” شخصيات تلفزيونية، بل ركّزت على إظهار حقيقتهما كما هي.
خبرتهما اليومية مع الناس والقصص الإنسانية منحتهما قدرة استثنائية على الإصغاء والتعاطف، وهو ما ينعكس بشكل طبيعي على الضيف والمشاهد في آنٍ معاً. وكان دور الإنتاج يتمثّل بخلق البيئة البصرية والسردية التي تسمح لهذا الصدق بالظهور ببساطة ومن دون أي تكلّف.
كما تؤمن الشركة بأن كل إنسان يملك قصة تستحق أن تُسمَع. والهدف الدائم هو تقريب المشاهد من حقيقة الضيف، من خوفه وأحلامه وتفاصيله الإنسانية التي غالباً ما تغيب عن الإعلام التقليدي.

إلياس وإليسا... ثنائية مبنية على الصدق لا الأداء
من خلال العمل مع SESOBEL على مدى أكثر من 12 عاماً، كان واضحاً بالنسبة للفريق أن إلياس يملك قدرة استثنائية على التواصل مع الناس. فحضوره وكاريزمته وطريقته في الإصغاء وطرح الأسئلة تجعل الشخص المقابل يشعر بالراحة ويتحدث بصدق. وكان واضحاً أيضاً أنه يحمل حلماً بسيطاً ومشروعاً: أن يكون صوته مسموعاً، وأن يعبّر عن رأيه مثل أي شخص آخر، لا لإثبات شيء، بل لأنه يملك أفكاراً وأسئلة ووجهة نظر تستحق أن تُسمَع.
أما تجربة إليسا، فكانت مختلفة وأكثر عمقاً. فبطء كلامها فرض على فريق العمل والمشاهدين إيقاعاً مختلفاً تماماً، وهو الإيقاع الذي انسجم مع فلسفة “Table 3”.
في زمنٍ يقوم فيه الإعلام على المقاطعة والردود السريعة، خلقت إليسا مساحة أكثر هدوءاً، مساحة تدفع المشاهد إلى التوقّف، الإصغاء، والانتباه إلى الإنسان أكثر من الأداء.
وبالنسبة لشركة الإنتاج، لم يكن وجود شخصين يعيشان مع الشلل الدماغي أو Dandy-Walker أمام الكاميرا “تحدّياً”، بل قيمة حقيقية. فإلياس وإليسا يمتلكان وعياً، حضوراً، وعمقاً فكرياً وإنسانياً كبيراً، ولذلك كان القرار واضحاً منذ اليوم الأول: البرنامج لن يُبنى على الشفقة أو استعراض “الحالات”، بل على الاحترام الكامل والتكافؤ الكامل.
فالبرنامج ليس “لأجلهما”، بل “معهما”، لأن مكانهما الطبيعي هو في قلب الحوار والمشهد الإعلامي.
وفي النهاية، تؤكد شركة الإنتاج أن دورها كان بناء مساحة تحافظ على عفوية إلياس وإليسا وصدقهما، من دون فرض صورة إعلامية مصطنعة عليهما، لأن التواصل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى أداء… بل إلى حضور إنساني حقيقي.