
لبنان - في لبنان، حيث قد تبدو تكاليف العلاج النفسي بعيدة المنال ماليًا وصعبة الوصول عاطفيًا، بدأ الذكاء الاصطناعي يملأ بصمت فجوةً طال وجودها.
تقول الأخصائية النفسية الإكلينيكية والمعالجة السلوكية المعرفية هيا سعد لـ"إنمائية" إن هذا التحول لا يحدث بمعزل عن سياقه، بل في بلد يتشكل من أزمة اقتصادية ممتدة، وضغوط جماعية، واستمرار الوصمة المرتبطة بالرعاية النفسية.
وعلى عكس العديد من الأنظمة الغربية حيث يُغطّى العلاج النفسي جزئيًا عبر التأمين أو الضمان الاجتماعي، لا تزال خدمات الصحة النفسية في لبنان مُخصخصة إلى حد كبير ومكلفة.
بالنسبة لكثير من الشباب، يعني ذلك أن طلب المساعدة المهنية يتم تأجيله أو تقليص أولوية اللجوء إليه. وتشير سعد إلى أن هذا العائق البنيوي كان موجودًا دائمًا، لكنه أصبح أكثر حدة تحت الضغوط الأخيرة.
في هذا السياق، تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي ما يبدو جذابًا بشكل خاص: الخصوصية دون حكم، والإجابات دون تأخير.
ما الذي يدفع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي؟
تحدد سعد عاملين أساسيين وراء تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم الصحة النفسية لدى الشباب اللبناني: الحاجة إلى إجابات فورية وجاذبية الخصوصية.
تقول: “عندما يمرّ الشخص بمرحلة صعبة، يحاول أن يفهم بسرعة ويتخذ خطوات سريعة”. وتضيف: “لقد جعل الذكاء الاصطناعي الحصول على الإجابات سريعًا، وأصبح جذابًا جدًا، حتى لو كان لدى الشخص موعد مع معالج نفسي بالفعل”.
هذه الفورية مهمة بشكل خاص للشباب الذين يواجهون القلق أو الأفكار الاقتحامية أو الضيق العاطفي، إذ يمكنهم بدلًا من انتظار الجلسات أو مواجهة الحرج الاجتماعي، اللجوء فورًا إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسير أو طمأنة.
أما الخصوصية فهي عامل آخر أساسي، ففي سياق لا تزال فيه الوصمة الاجتماعية حاضرة، يوفر الذكاء الاصطناعي مساحة مجهولة وخالية من الأحكام. وهذا يخفف الخوف من سوء الفهم أو التصنيف، ويجعل طرح الأسئلة أسهل بكثير من الحديث مع العائلة أو الأصدقاء أو حتى المختصين.
هل هناك أي فوائد؟
على الرغم من المخاوف، تؤكد سعد أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تقدم فوائد حقيقية عند استخدامها بشكل مسؤول، خصوصًا في مجال “التثقيف النفسي” الذي يُعد عنصرًا أساسيًا في العلاج.
تقول: “في العلاج النفسي نقوم بالتثقيف النفسي، حيث نشرح للمريض ما يمرّ به، مثل اضطراب الوسواس القهري”. وتضيف: “وضع تسمية لما يشعر به الشخص يساعده على فهم أنه ليس أمرًا مخجلًا وأنه قابل للعلاج”.
بهذا المعنى، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل كأداة تعليمية سهلة الوصول تساعد الأفراد على فهم أعراضهم وتقليل وصمة الذات. كما يمكن أن يشكل جسرًا نحو العلاج المهني لمن لا يستطيعون الوصول إليه بعد.
وتشير سعد أيضًا إلى دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز التأمل الذاتي وتتبع السلوك، إذ يمكنه مساعدة المستخدمين على ملاحظة أنماط المزاج والعادات وآليات التكيف، مثل التجنب أو المحفزات العاطفية أو السلوكيات غير الصحية.
كما أن الاطلاع على المعلومات النفسية عبر الإنترنت قد يساهم في تقليل الوصمة من خلال تطبيع التجارب النفسية وإظهار أن الآخرين يمرون بتجارب مشابهة.
وتضيف أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي تتضمن أحيانًا رسائل عامة تشجع المستخدمين على طلب المساعدة من مختصين.
حلقة الطمأنة
لكن إلى جانب هذه الفوائد، تحذر سعد من قلق سريري متزايد: “حلقة طلب الطمأنة”.
تشرح: “هناك اضطرابات مثل اضطرابات القلق، ومنها قلق الصحة، حيث يقلق الشخص من أعراض بسيطة جدًا”. وتضيف: “مع الذكاء الاصطناعي يصبح طلب الطمأنة مستمرًا، لكنه يوفر راحة قصيرة الأمد فقط”.
وتوضح أن هذه الدورة إشكالية لأن الذكاء الاصطناعي يقدم طمأنة فورية دون حدود، ما قد يقلل قدرة الفرد على تحمل عدم اليقين ويعزز القلق على المدى الطويل.
وتشير إلى أن هذا السلوك ليس جديدًا تمامًا، إذ إن الأشخاص الذين يعانون من القلق يميلون أصلًا إلى طلب الطمأنة بشكل متكرر، لكن الذكاء الاصطناعي يفاقم هذه النزعة عبر توفيرها بشكل دائم وفوري.
كما تثير سعد مخاوف بشأن طريقة تقديم المعلومات النفسية عبر الذكاء الاصطناعي، قائلة: “يمكن أن يقدم معلومات مضللة لأن نصائحه وتفسيراته عامة، وأحيانًا تكون لغته واثقة بشكل مبالغ فيه، ما يجعلها أكثر إقناعًا”.
وتضيف أن هذا قد يؤدي إلى اعتماد بعض الأشخاص على تشخيصات ذاتية مبنية على تفاعلات مع الذكاء الاصطناعي.
وبعيدًا عن المعلومات الخاطئة، تشير إلى خطر آخر يتمثل في التعلق العاطفي المفرط، حيث قد يبدأ بعض الشباب، خاصة أولئك الذين يشعرون بعدم الفهم في بيئاتهم الاجتماعية، في اعتبار الذكاء الاصطناعي أكثر دعمًا من التفاعل البشري.
أداة وليست بديلًا
ورغم هذه المخاوف، لا ترفض سعد الذكاء الاصطناعي بشكل كامل، بل تراه أداة يجب استخدامها بوعي وتفكير نقدي.
تقول: “علينا أن نكون واقعيين ونقبل أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا كبيرًا من حياتنا، وقد تكون له فوائد، لكن يجب أن نتذكر أنه يمكن أن يخطئ. يجب استخدامه كأداة فقط مع الحفاظ على التفكير النقدي”.
في بلد لا تزال فيه خدمات العلاج النفسي غير متكافئة من حيث الوصول، وتؤثر فيه الوصمة على قرارات الأفراد، دخل الذكاء الاصطناعي إلى مشهد الصحة النفسية ليس كحلّ، بل كمرآة للفجوات القائمة: يقدّم السرعة حيث البطء، والخصوصية حيث الوصمة، والإجابات حيث يصبح الغموض ثقيلًا.