
لبنان - في المدن اللبنانية، أصبح الصمت نادراً على نحو متزايد.
أصوات المولدات الخاصة، وزحمة السير المستمرة، وضجيج ورش البناء، وأبواق السيارات، والمقاهي الممتدة إلى الشوارع المكتظة، والهواتف التي لا تتوقف عن الرنين في الخلفية. في مراكز حضرية مثل بيروت، أصبح الضجيج جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، إلى درجة أنّ كثيرين لم يعودوا يلاحظونه.
لكن الباحثين يحذّرون بشكل متزايد من أنّ التلوث الضوضائي قد لا يكون مجرد مصدر إزعاج، بل قد يؤثر بصمت على الصحة النفسية.
فعلى المستوى العالمي، تعترف منظمة الصحة العالمية اليوم بالضجيج البيئي كقضية صحية عامة متنامية، ترتبط بالتوتر، واضطرابات النوم، والقلق، والإرهاق، وتراجع الأداء المعرفي. فالإنسان مهيأ بيولوجياً للاستجابة للأصوات. وحتى عندما يعتقد الأفراد أنهم اعتادوا على البيئات الصاخبة، يستمر الجهاز العصبي في معالجة الأصوات العالية أو المفاجئة باعتبارها تهديدات محتملة. ومع الوقت، قد يساهم هذا التحفيز المزمن في زيادة التوتر، والانفعال، والإرهاق العاطفي، والتعب الذهني.
وبالنسبة إلى كثير من سكان لبنان الذين يعيشون في أحياء مكتظة، أصبح المشهد الصوتي للحياة اليومية شكلاً دائماً من التحميل الحسي الزائد.
عندما يؤدي التعرّض المزمن للضجيج إلى زيادة هرمونات التوتر والتأثير على الجهاز العصبي المركزي، قد تنشأ حالة التهابية في الجسم تزيد من خطر الإصابة بمشكلات الصحة النفسية، بما في ذلك القلق والاكتئاب واضطرابات السلوك.
وتشير مراجعة بحثية إلى أنّ عدداً من الدراسات ربط بين التعرض لضجيج حركة المرور والصحة النفسية، حيث قد يزيد خطر الإصابة بالاكتئاب بنسبة 4%، والقلق بنسبة 9%.
ومع مرور الوقت، يمكن للتعرّض لأي نوع من الضجيج، حتى الضجيج السكني المعتاد، أن يؤثر على القدرات المعرفية. وتظهر أدلة حديثة أنّ العيش في بيئات ذات مستويات أعلى من الضجيج السكني، بمعدل يتراوح بين 50 و75 ديسيبل، يرتبط مباشرةً بضعف الأداء المعرفي لدى الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 45 عاماً وما فوق.
تُقاس مستويات الصوت بالديسيبل، ويتفق الخبراء على أنّ الضجيج الذي يبلغ 85 ديسيبل أو أكثر يُعد ضاراً. ولتوضيح الصورة، يمكن مقارنة ذلك ببعض الأصوات الشائعة في لبنان:
ضجيج المكتب العادي: 60 ديسيبل
ضجيج ورش البناء: بين 85 و110 ديسيبل
حركة المرور الكثيفة: بين 80 و89 ديسيبل
الدراجات النارية: بين 90 و99 ديسيبل
المولدات الخاصة: بين 50 و90 ديسيبل
كما تُظهر الأبحاث أنّ التعرّض المستمر لمستويات مرتفعة من الضجيج، ومن مصادر متعددة، قد يؤدي إلى مجموعة من أمراض القلب والأوعية الدموية، وأنّ زيادة مدة وشدة التعرض قد ترفع مستوى الخطر. ويُعد ارتفاع ضغط الدم الأثر القلبي الوعائي الأكثر شيوعاً المرتبط بالتلوث الضوضائي. فقد يرتفع ضغط الدم نتيجة استجابة الجسم للتوتر، خصوصاً عندما تؤدي الأصوات العالية إلى تحفيز حالة “الكرّ أو الفرّ”.
يدعو مخططو المدن والباحثون في الصحة العامة بشكل متزايد إلى التعامل مع التلوث الضوضائي باعتباره قضية صحية، لا مجرد إزعاج عابر.
وتشمل الحلول الممكنة توسيع المساحات الخضراء والهادئة، وتحسين وسائل النقل العام، وتنظيم التعرض للضجيج خلال ساعات الليل.
كما يشدد المختصون في الصحة النفسية على أهمية استعادة لحظات من الهدوء، من خلال قضاء وقت في الطبيعة، وتهيئة بيئات نوم أكثر صحة، والحد من التحفيز الرقمي المفرط، وتخصيص فترات مقصودة للراحة.