
يقترب شهر حزيران، ومعه يعود السؤال التقليدي: هل تفضّل الصيف أم الشتاء؟
بالنسبة إلى البعض، تمنحهم الشمس والدفء شعورًا بالطاقة والحيوية. أما بالنسبة إلى آخرين، فيجدون راحتهم في صوت المطر، والأمسيات الباردة، والليالي الطويلة داخل المنزل. لكن، بعيدًا عن التفضيلات الشخصية، تُظهر العلوم بشكل متزايد أن الحرارة ليست مجرد مصدر إزعاج جسدي، بل يمكن أن تؤثر أيضًا في طريقة شعورنا، وتفكيرنا، ونومنا، وقدرتنا على التعامل مع الضغوط اليومية.
تشير دراسات حديثة إلى أن التعرّض لدرجات حرارة مرتفعة يمكن أن يزيد من مستويات القلق، ويفاقم التوتر، ويؤثر في الصحة النفسية. وقد وجدت إحدى الدراسات أن التعرّض للحرارة لفترة قصيرة، تقارب ساعة ونصف، ارتبط بارتفاع ملحوظ في مستويات القلق. وربط الباحثون هذا الأثر باستجابة الجسم للتوتر، وبالالتهاب، والإجهاد التأكسدي، والتغيرات في المواد الكيميائية في الدماغ التي تؤثر في المزاج.
عندما يتعرّض الجسم للحرارة، يبدأ بالعمل بجهد أكبر للحفاظ على درجة حرارته الداخلية ضمن مستوى مستقر. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تنشيط ما يُعرف علميًا بمحور الوطاء والغدة النخامية والغدة الكظرية، أو ما يُشار إليه اختصارًا بـ HPA axis. وبعبارات أبسط، يمكن فهم هذا المحور على أنه نظام الاستجابة للتوتر داخل الجسم. فهو يربط الدماغ بالغدد المسؤولة عن إفراز الهرمونات، ويساعد الجسم على التعامل مع الضغط أو الخطر أو الإجهاد الجسدي. وعند تنشيطه، قد ترتفع مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول.
قد تؤثر الحرارة الشديدة أيضًا في طريقة عمل الدماغ. فالوطاء، وهو الجزء من الدماغ الذي يساعد على تنظيم درجة حرارة الجسم، يرتبط كذلك بوظائف أساسية مثل الجوع، والعطش، والنوم، والمزاج، وضغط الدم. وعندما يتعرّض الجسم لإجهاد حراري، قد تتعرض هذه الأنظمة بدورها للضغط.
كما يمكن للحرارة أن تؤثر في النوم، لا سيما خلال الليالي الحارة. فالنوم غير الكافي يرتبط بشكل وثيق بسرعة الانفعال، والقلق، وانخفاض المزاج، وتراجع القدرة على التحمّل النفسي. ولهذا تُعد الحرارة الليلية ذات أهمية خاصة، إذ يحتاج الجسم إلى ساعات أكثر برودة للتعافي، وعندما تبقى الليالي حارة، يصبح هذا التعافي أكثر صعوبة.
يشهد لبنان بالفعل آثار المناخ المتغيّر. ووفقًا لتحليل مدعوم من البنك الدولي، سجّل لبنان ارتفاعًا في متوسط درجة الحرارة السنوية بنحو 0.3 درجة مئوية لكل عقد منذ حوالي عام 1970، وهو ما يقارب ضعف المعدل العالمي المسجّل خلال الفترة نفسها.
كما أصبحت الليالي الحارة أكثر شيوعًا. وتشير الملفات المناخية الخاصة بلبنان إلى زيادة بنسبة 7% في عدد الليالي الحارة، مع بروز آثار الاحترار بشكل خاص في فصلي الربيع والصيف. ويُعد ذلك مهمًا لأن الليالي الحارة تحدّ من قدرة الجسم على الراحة والتعافي بعد التعرّض للحرارة خلال النهار.
وتحذّر خطة التكيّف الوطنية في لبنان أيضًا من مخاطر جدية مرتبطة بالإجهاد الحراري، لا سيما بالنسبة إلى العاملين في الهواء الطلق. وتشير الخطة إلى أن درجات حرارة تتجاوز 32 درجة مئوية سُجّلت في معظم المناطق خلال الربع الثالث من السنة، ووصلت إلى 34.5 درجة مئوية في المناطق الشرقية. وتشكّل هذه الظروف مخاطر كبيرة على العاملين في الزراعة، والبناء، وغيرها من المهن التي تتطلب جهدًا بدنيًا عاليًا.
وهذا يجعل الحرارة قضية صحة عامة، لا مجرد حالة طقس. ففي لبنان، حيث تؤثر الكهرباء، وظروف السكن، والنزوح، والضائقة الاقتصادية في تفاصيل الحياة اليومية، قد تكون الآثار النفسية للحرارة أكثر حدّة لدى الفئات الأقل قدرة على التعامل معها.
بعض الفئات أكثر عرضة لمخاطر الحرارة من غيرها. فالرضّع والأطفال الصغار يمكن أن ترتفع حرارة أجسامهم بسرعة أكبر لأن قدرة أجسامهم على تنظيم الحرارة لا تزال في طور النمو. أما كبار السن، فهم أيضًا أكثر عرضة للخطر لأن الجسم يصبح مع التقدم في العمر أقل كفاءة في تبريد نفسه. كما يمكن لبعض الحالات الصحية المزمنة، مثل أمراض القلب والسكري والسمنة، أن تزيد من صعوبة التعامل مع الحرارة.
وتتداخل الحرارة أيضًا مع العوامل الاجتماعية والاقتصادية. فالعائلات التي لا تستطيع تحمّل كلفة أجهزة التكييف، أو المراوح، أو الاشتراك بالمولدات الخاصة، تكون أكثر عرضة لموجات الحر. وبالنسبة إلى الأسر التي تعاني أصلًا من انقطاع الكهرباء أو ارتفاع كلفة المعيشة، فإن “البقاء في مكان بارد” لا يكون دائمًا خيارًا بسيطًا.
وينطبق الأمر نفسه على العائلات النازحة. فقد أشارت تقارير إنسانية حديثة عن لبنان إلى حالات اكتظاظ، ومشاركة عائلات عدّة في الشقق نفسها لتقليل التكاليف، وإقامة عدد كبير من النازحين خارج مراكز الإيواء الجماعية، سواء لدى الأقارب، أو في مساكن مؤقتة مستأجرة، أو في سيارات، أو في أماكن غير رسمية. ويمكن لهذه الظروف أن تجعل التعامل مع الحرارة أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تكون الخصوصية، والتهوية، والمياه، ووسائل التبريد محدودة.
كما يؤدي التخطيط الحضري دورًا أساسيًا. فالأحياء التي تفتقر إلى الأشجار، والظل، والمساحات الخضراء، وتغلب عليها الأبنية الكثيفة والخرسانة، تميل إلى احتباس الحرارة. ويُعرف ذلك بتأثير “الجزر الحرارية الحضرية”، حيث تصبح المدن والمناطق المبنية أكثر حرارة من المناطق المحيطة بها بسبب امتصاص الخرسانة والإسفلت والمباني للحرارة ثم إطلاقها مجددًا. وبعبارة عملية، قد يعيش شخصان في المدينة نفسها صيفين مختلفين تمامًا، تبعًا لجودة السكن، والوصول إلى المساحات الخضراء، والدخل، والبنية التحتية.
إن العلاقة بين الحرارة والصحة النفسية لا تعني أن الصيف خطر على الجميع. لكنها تعني أن الحرارة يجب أن تؤخذ بجدية أكبر ضمن التخطيط للصحة العامة.
يحتاج لبنان إلى تخطيط أكثر وعيًا بمخاطر الحرارة. ويشمل ذلك توسيع المساحات العامة المظللة، وحماية المناطق الخضراء، وتحسين ظروف السكن ومراكز الإيواء، ودعم العاملين في الهواء الطلق، ودمج مخاطر الحرارة ضمن استجابات الصحة العامة والصحة النفسية.
ومع ازدياد حرارة الصيف، لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كنا نفضّل الصيف أم الشتاء. فالسؤال الأكثر إلحاحًا اليوم هو: كيف نجعل مدننا، ومنازلنا، ومجتمعاتنا أكثر أمانًا في مواجهة مستقبل أكثر حرارة؟