
صيدا – دخل دستور لبنان عامه المئة في 23 أيار 2026، وهي محطة مفصلية تدعو إلى تأمل أعمق في نصّ تأسيسي شكّل الحياة السياسية في البلاد وإطارها المؤسسي ونقاشاتها العامة على مدى قرن كامل. غير أن أهمية هذه المناسبة لا تكمن في بعدها الاحتفالي فحسب، بل في كونها تفتح مجددًا نقاشًا وطنيًا أوسع حول المواطنة والدولة والحياة الدستورية في لبنان اليوم.
وفي هذا السياق، أطلقت مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة برنامج "الأبجدية الدستورية" خلال لقاء أقيم في "أكاديمية الدولة الوطنية" في صيدا، بحضور ممثلين عن هيئات رسمية وبلدية وقانونية وأكاديمية وصحية وتربوية واقتصادية واجتماعية وشبابية.
منصة رقمية في قلب المبادرة
في صلب هذه المبادرة تأتي المنصة الرقمية “الأبجدية الدستورية”، التي صُمّمت كمعجم دستوري يهدف إلى جعل الدستور اللبناني مفهومًا ومتاحًا للجميع.
وتتيح المنصة قراءة النص الدستوري باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، إلى جانب التفاعل مع معجم منظّم للمصطلحات الدستورية والمدنية. وهي لا تقتصر على عرض النصوص، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم أدوات بصرية وتحليلية ترسم خرائط للمواد الدستورية، وتتتبّع المفاهيم الأساسية، وتنظّم اللغة القانونية ضمن أنظمة مترابطة من المعاني.
ومن خلال نقل قراءة الدستور إلى تجربة تفاعلية، تعيد المنصة صياغة المعرفة المدنية بوصفها عملية مشاركة لا تلقٍ، محوّلةً الدستور إلى إطار يمكن استكشافه وطرحه للنقاش وتطبيقه على واقع الحياة المعاصرة.
"ليست مناسبة عابرة"
وفي كلمة لها خلال حفل الإطلاق، أكدت رئيسة مؤسسة الحريري السيدة بهية الحريري أن هذه المبادرة "ليست مناسبة عابرة، بل جهد وطني يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطنين والدولة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين التنوع والوحدة، وبين المواطن والدستور، على قاعدة أن الاستقرار مسؤولية مشتركة، وأن الدولة ليست مجرد نظام حكم، بل عقد ثقة وشراكة ومصير مشترك".
وأضافت أن اللبنانيين، على مدى قرن، لم تتح لهم الفرصة الكافية لتحويل العقود الاجتماعية إلى ثقافة دستورية معيشة تكون جزءًا من الوعي اليومي وتتوارثها الأجيال، وهو ما انعكس، برأيها، على ضعف ترسيخ ثقافة مواطنة دستورية مستقرة تقوم على فهم مشترك للنص الدستوري وروحه.
وشدّدت الحريري على أن الدولة ليست مجرد بنية سلطة، بل هي نتاج تجربة إنسانية طويلة في البحث عن الاستقرار والتعايش، وهي التعبير الأسمى عن الإرادة الجماعية التي تتحول فيها القيم إلى أنظمة تحمي الكرامة وتنظّم الاختلاف وتمنع التفكك.
كما أكدت أن الدساتير ليست نصوصًا جامدة، بل أطرًا حيّة للوعي الجماعي، تؤدي دور المرجع الأخلاقي والقانوني في آنٍ واحد، وتضمن الحقوق والواجبات ضمن إطار وطني جامع يحفظ التنوع. ومن هذا المنطلق، وصفت المبادرة بأنها محاولة لبناء لغة مدنية مشتركة.
برنامج مدني يمتد على 100 يوم
وقد أُطلق البرنامج رسميًا خلال اللقاء في "أكاديمية الدولة الوطنية" في صيدا، كمبادرة تمتد على مدى 100 يوم من 23 أيار حتى 1 أيلول 2026. ويجمع بين عمل "أكاديمية الدولة الوطنية" ومنتدى شباب نهوض لبنان وبرنامج التربية على المواطنة، مع الاستفادة من الخبرات الأكاديمية وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتعزيز التعلم التفاعلي في المجال المدني.
وعقب الجلسة الافتتاحية، قدّم فريق مؤسسة الحريري في أكاديمية الدولة الوطنية عرضًا حول منهجية "الأبجدية"، موضحًا آليات رصد وتحليل المصطلحات الدستورية، وكيفية تتبّع ورودها وصياغتها وتطور استخدامها داخل النص الدستوري وفي سياقات مختلفة.
وتتعامل هذه المقاربة مع اللغة الدستورية بوصفها نظامًا ديناميكيًا قابلًا للدراسة والتنظيم والتفسير، بما يعمّق الفهم المدني للنصوص والمفاهيم.
كما قدّم أعضاء منتدى شباب نهوض لبنان عروضًا قائمة على البيانات حول المحاور الرئيسية للبرنامج، وهي: "الدولة، نظام الحكم، الهوية، حكم القانون، الحقوق والحريات، التنمية، والأمن والدفاع"، إلى جانب محاورها الفرعية ونماذج من المصطلحات والمؤشرات المرتبطة بها.
وقد هدفت هذه العروض إلى تحويل المفاهيم الدستورية إلى فئات تحليلية قابلة للنقاش والقياس، بما يربط بين المبادئ القانونية المجردة والأطر المدنية العملية.
إعادة بناء العلاقة المدنية
وفي المحصّلة، يقدّم البرنامج مقاربة جديدة للتربية الدستورية باعتبارها ممارسة عامة مشتركة وليست مجالًا نخبوياً متخصصًا. وهو يعكس محاولة لإعادة ربط المواطنين بالأفكار المؤسسة للدولة من خلال اللغة والتفسير والمشاركة.
وفي جوهره، يطرح "برنامج الأبجدية الدستورية" محاولةً لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين التنوع والوحدة، وبين النص الدستوري والحياة اليومية، عبر لغة مدنية مشتركة تُسهم في فهم لبنان اليوم.