
العالم - سمعتم بالتدخين المباشر والتدخين غير المباشر، لكن هل تعلمون أن هناك أيضاً ما يُعرف بـ التدخين من الدرجة الثالثة؟
قد يبدو المصطلح تقنياً، لكن الفكرة بسيطة: التدخين من الدرجة الثالثة هو ما يتركه التبغ خلفه بعد إطفاء السيجارة واختفاء الدخان من الهواء.
فكّروا فيه كـ«بصمة غير مرئية» للتدخين. فعندما يدخّن شخص ما داخل مكان مغلق، لا تختفي المواد الكيميائية ببساطة بمجرد تهوية الغرفة. بل تترسّب على الجدران، والسجاد، والستائر، والأرائك، والملابس، والبطانيات، ومقاعد السيارات، وحتى ألعاب الأطفال. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه البقايا أن تتراكم في الغبار والأقمشة، لتخلق طبقة خفية من التعرّض داخل المنازل، والسيارات، والأماكن المغلقة. وتشير الأبحاث إلى أن دخان الدرجة الثالثة يمكن أن يبقى على الأسطح والمواد المنزلية لأشهر، وفي بعض الحالات لسنوات.
لماذا يهمّ ذلك؟ لأن دخان الدرجة الثالثة يحتوي على مواد كيميائية سامة مصدرها دخان التبغ. ويمكن أن يتعرّض الناس لهذه المواد من خلال لمس الأسطح الملوثة، أو استنشاق الجزيئات التي تعود إلى الهواء، أو عبر انتقالها من اليد إلى الفم. ويُعدّ ذلك مقلقاً بشكل خاص بالنسبة للرضّع والأطفال الصغار، الذين يزحفون على الأرض، ويلمسون كل ما حولهم، وغالباً ما يضعون أيديهم أو ألعابهم في أفواههم.
وهنا تكمن النقطة التي يغفل عنها كثيرون: فتح النافذة، أو رشّ معطّر الجو، أو إشعال شمعة معطّرة لا يزيل دخان الدرجة الثالثة. قد تختفي الرائحة، لكن البقايا قد تبقى. بمعنى آخر، قد تبدو الغرفة «نظيفة»، بينما لا تزال تحمل آثاراً من التعرّض للتبغ.
بالنسبة إلى لبنان، تُعدّ هذه المسألة ذات أهمية خاصة. فالتدخين لا يزال جزءاً راسخاً من الحياة الاجتماعية اليومية، سواء عبر السجائر، أو النرجيلة، أو الجلسات الداخلية. وقد أشار تقرير استثماري حول مكافحة التبغ مدعوم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو 38% من البالغين في لبنان يستخدمون شكلاً من أشكال التبغ، وأن استخدام التبغ يتسبب بما يقارب 9,200 وفاة سنوياً في البلاد. وهذا يعني أن التدخين من الدرجة الثالثة ليس مجرد مسألة منزلية، بل قضية صحة عامة مرتبطة بكيفية استخدامنا للمساحات المشتركة.
في لبنان، تعيش عائلات كثيرة في شقق سكنية، ويقضي الأطفال وقتاً في السيارات مع البالغين، كما يحدث التدخين في غرف الجلوس، والمقاهي، والشرفات، والأماكن الاجتماعية المغلقة. يذكّرنا التدخين من الدرجة الثالثة بأن حماية الناس من التعرّض للتبغ لا تتعلق فقط بتجنّب الدخان في لحظته، بل أيضاً بالانتباه إلى ما يتركه الدخان خلفه.
الخلاصة بسيطة: المنازل والسيارات الخالية من التدخين ليست أنظف فحسب، بل أكثر أماناً أيضاً. وبالنسبة للعائلات، والأطفال، وكبار السن، والأشخاص المصابين بالربو أو أمراض الجهاز التنفسي، يُعدّ الحفاظ على الأماكن الداخلية خالية من التدخين واحداً من أكثر الطرق العملية للحد من هذا التعرّض الخفي.