
قبل عشر سنوات، كان المشهد المعتاد في العديد من مقاهي بيروت واضحًا: طاولات مليئة بالشباب يتشاركون الشيشة، ويتعاملون معها في كثير من الأحيان ليس بوصفها “تدخينًا”، بل كطقس اجتماعي. اليوم، تغيّرت الصورة، لكن العادة لم تختفِ. فإلى جانب النرجيلة، دخل جهاز جديد إلى الحقائب والسيارات والصفوف والمقاهي والسهرات: الفيب.
بالنسبة إلى الشباب في لبنان، لم يعد النيكوتين محصورًا بالسجائر. لقد انتقل عبر الثقافة والتصميم ونمط الحياة. فقد ساهمت الشيشة في جعل التدخين نشاطًا اجتماعيًا مشتركًا، فيما أعادت السجائر الإلكترونية تقديم النيكوتين على أنه منتج منكّه، حديث، سهل الإخفاء، ويبدو أقل ضررًا. وهذا يطرح سؤالًا صحيًا عامًا يتجاوز خيار الفرد وحده: هل أصبحت الشيشة والفيب شكلين مقبولين ثقافيًا لاستخدام النيكوتين بين الشباب في لبنان؟
في لبنان، تشير الأبحاث المتاحة إلى أن استخدام السجائر الإلكترونية بدأ يكتسب انتشارًا بين الشباب. فقد وجدت إحدى الدراسات حول استخدام السجائر الإلكترونية بين الشباب في لبنان أن 14.5% استخدموا السجائر الإلكترونية مرة واحدة على الأقل، فيما أفاد 8% بأنهم استخدموها خلال الشهر الماضي. كما أظهرت الدراسة نفسها أن عددًا كبيرًا من المستخدمين كانوا أصلًا من مدخني السجائر أو الشيشة، أو من مستخدمي أكثر من منتج تبغ في الوقت نفسه، ما يشير إلى أن الفيب قد يكون جزءًا من نمط أوسع لاستخدام النيكوتين، وليس عادة منفصلة بحد ذاتها.
لسنوات، احتل تدخين النرجيلة، أو الشيشة، مكانة مختلفة في المجتمع اللبناني مقارنة بالسجائر. فالسجائر غالبًا ما ترتبط بالإدمان والرائحة والتحذيرات الصحية الواضحة. أما الشيشة، فغالبًا ما تُقدَّم على أنها ممارسة اجتماعية ومألوفة، بل وحتى ثقافية. فهي جزء من حياة المقاهي، واللقاءات العائلية، والأحاديث الطويلة، والسهرات. وهذا القبول الاجتماعي مهم. فعندما يصبح منتج ضار جزءًا من الترفيه والهوية الاجتماعية، قد يتوقف الشباب عن رؤيته كمخاطر صحية، ويبدؤون بالتعامل معه كجزء طبيعي من الحياة الاجتماعية.
لطالما أظهرت الأبحاث أن استخدام الشيشة شائع بشكل خاص في منطقة شرق المتوسط، بما في ذلك بين الشباب. وفي لبنان، تصل نسبة انتشار تدخين الشيشة إلى نحو 46%، مع دور واضح للبيئات الاجتماعية في انتشاره. كما بيّنت الدراسات أن عوامل مثل سهولة الوصول إلى الشيشة وتكلفتها المقبولة تجعلها خيارًا جذابًا للعديد من مستخدمي التبغ. ويتعزز ذلك من خلال المقاهي والمطاعم، حيث تُروَّج الشيشة أحيانًا من خلال العروض، وتُقدَّم كجزء من تجربة الجلوس، أو تُقترح على الزبائن فور جلوسهم تقريبًا. ومع الوقت، ساهم هذا الحضور المتكرر في تحويل الشيشة من ممارسة عرضية إلى جزء مألوف من الحياة الاجتماعية للشباب.
لم تدخل السجائر الإلكترونية إلى ثقافة شبابية خالية من النيكوتين؛ بل دخلت إلى مجتمع كان قد طبّع أصلًا مع شكل آخر من استخدام النيكوتين. استفاد الفيب من هذا القبول، لكنه غيّر الشكل. فهو أصغر حجمًا، وأكثر فردية، وأسهل في الإخفاء، ويمكن استخدامه بشكل متكرر خلال اليوم. فعلى خلاف الشيشة، التي غالبًا ما تحتاج إلى مقهى ومجموعة ووقت، يمكن استخدام الفيب بسرعة بين الحصص، أو في السيارة، أو خلال لقاء اجتماعي، أو حتى في الأماكن الخاصة.
وقد أظهرت دراسات أن التغليف الملوّن، والنكهات الحلوة، والتصاميم الأنيقة للأجهزة، ساهمت في جعل الفيب يبدو أقل ارتباطًا باستخدام التبغ، وأكثر قربًا من منتج يعكس نمط حياة معين، ما زاد من تقبّله. إضافة إلى ذلك، لا يُنظر إلى الفيب عادة على أنه ضار بقدر السجائر التقليدية.
هذا لا يعني أن الشيشة والفيب متطابقان. فمخاطرهما الصحية، وأنماط استخدامهما، ودلالاتهما الاجتماعية تختلف. لكنهما يشتركان في نقطة أساسية: كلاهما يمكن أن يجعل النيكوتين يبدو مقبولًا. فعلت الشيشة ذلك من خلال التقاليد والطابع الاجتماعي، بينما يفعل الفيب ذلك من خلال التصميم والنكهة وسهولة الحمل وخطاب “تقليل الضرر”. وفي الحالتين، لا يكمن الخطر في المنتج وحده، بل أيضًا في التصوّر العام المحيط به.
لقد ساهم ضعف إجراءات مكافحة التبغ، إلى جانب الرسالة الثقافية الأوسع، في خلق واقع يستجيب فيه الشباب لما يحيط بهم: مقاهٍ تجعل الشيشة أمرًا عاديًا، وأسواق تروّج للفيب المنكّه، وأقران يستخدمونه في المناسبات الاجتماعية، وأنظمة رقابية لا تنجح دائمًا في حمايتهم. لذلك، قد لا يكون السؤال الأهم هو: “لماذا يدخن الشباب أو يستخدمون الفيب؟”، بل: لماذا جعلنا النيكوتين سهل القبول إلى هذا الحد؟
يحتاج لبنان إلى استجابة صحية عامة تتجاوز التحذيرات المكتوبة وحدها. فالمدارس والجامعات والأهل والبلديات وأصحاب المقاهي والمهنيون الصحيون وصنّاع القرار، جميعهم لهم دور في هذا المجال. ويشمل ذلك تعزيز تطبيق قوانين منع التدخين في الأماكن العامة، ووضع تنظيم أوضح لبيع السجائر الإلكترونية وتسويقها، وإطلاق حملات توعية موجهة للشباب، وفتح نقاشات صريحة حول الإدمان لا تقوم على لوم الشباب، بل على تزويدهم بالمعلومات والحقائق.
قد تبدو الشيشة والفيب مختلفتين في الشكل، لكنهما تعكسان التحدي نفسه: لقد تعلّم النيكوتين كيف يتكيّف مع الثقافة. والسؤال اليوم هو ما إذا كانت الصحة العامة قادرة على التكيّف بسرعة أكبر.