
لبنان – في وقتٍ أصبحت فيه الأبحاث الأكاديمية أكثر تعقيداً وتخصصاً، تسعى جامعات حول العالم إلى إيجاد طرق جديدة تجعل المعرفة العلمية أقرب إلى الجمهور. ومن هذا المنطلق، نظمت جامعة بيروت العربية مسابقة "الأطروحة في ثلاث دقائق" (Three Minute Thesis – 3MT)، وهي فعالية أكاديمية عالمية تدعو طلاب الدراسات العليا إلى شرح أبحاثهم العلمية في ثلاث دقائق فقط.
وأقيمت المسابقة بتنظيم من عمادة الدراسات العليا والبحث العلمي في الجامعة، في قاعة جمال عبد الناصر – حرم بيروت، حيث تنافس المشاركون على تقديم عروض مختصرة وجذابة تشرح أفكار أبحاثهم بلغة مبسطة يفهمها غير المتخصصين.
ورغم بساطة الفكرة ظاهرياً، إلا أن التحدّي الحقيقي يكمن في قدرة الطالب على اختصار سنوات من البحث والتجارب والكتابة الأكاديمية في عرض لا يتجاوز 180 ثانية. وقد شهدت المسابقة مشاركة 30 طالباً من مختلف الكليات، ما عكس تنوع التخصصات الأكاديمية داخل الجامعة.
وفي ختام الفعالية، أُعلن عن الفائزين، حيث حازت الطالبة آية شومان على المرتبة الأولى، وجاءت رندة بخاري في المرتبة الثانية، فيما نالت رنيم أحمد المرتبة الثالثة.

من أين انطلقت فكرة المسابقة؟
تعود فكرة "الأطروحة في ثلاث دقائق" إلى جامعة كوينزلاند في أستراليا عام 2008. وخلال تلك الفترة، كانت ولاية كوينزلاند تشهد موجة جفاف حاد، ما دفع السلطات إلى تشجيع السكان على تقليل مدة الاستحمام إلى ثلاث دقائق فقط، باستخدام مؤقتات زمنية داخل الحمّامات.
ومن هنا، استوحت الجامعة فكرة تحويل "الثلاث دقائق" إلى تحدٍّ أكاديمي: هل يستطيع طالب دكتوراه أن يشرح أطروحته العلمية كاملة خلال الوقت نفسه الذي يستغرقه الاستحمام السريع؟
بدأت المسابقة بمشاركة نحو 160 طالب دكتوراه، لكنها سرعان ما تحولت إلى ظاهرة أكاديمية عالمية. واليوم، تُنظَّم مسابقات 3 MT في أكثر من 900 جامعة ضمن أكثر من 85 دولة حول العالم، من الولايات المتحدة وأوروبا إلى آسيا وأستراليا.
قواعد صارمة وتحدٍّ حقيقي
تعتمد المسابقة مجموعة قواعد دقيقة تجعل المهمة أكثر صعوبة، إذ يُسمح لكل مشارك باستخدام:
شريحة عرض ثابتة واحدة فقط
من دون فيديو أو رسوم متحركة
من دون أدوات إضافية أو مؤثرات
وضمن مهلة لا تتجاوز ثلاث دقائق
ولا يقتصر التحدّي على سرعة العرض، بل يتمحور أساساً حول الوضوح والقدرة على تبسيط الأفكار المعقدة من دون الإخلال بالمضمون العلمي.
وعادةً ما تعتمد لجان التحكيم على معايير أساسية أبرزها:
وضوح الفكرة والمحتوى
القدرة على جذب الجمهور
أسلوب التواصل والإقناع
كما تتضمن المسابقة جائزة "اختيار الجمهور"، التي تتيح للحاضرين المشاركة في التصويت على أفضل عرض.

لماذا تكتسب هذه المسابقة أهمية عالمية؟
تعكس مسابقة 3MT تحوّلاً متزايداً في عالم الأكاديميا نحو تعزيز التواصل مع المجتمع، إذ لم يعد كافياً أن يكون البحث العلمي متيناً من الناحية الأكاديمية فقط، بل أصبح من الضروري أيضاً أن يتمكن الباحث من شرح أفكاره بطريقة مفهومة ومؤثرة.
ويرى منظّمو المسابقة أن الباحثين اليوم يحتاجون إلى مهارات تواصل تساعدهم على إيصال أعمالهم إلى الجمهور ووسائل الإعلام وصناع القرار والجهات المموّلة، وليس فقط إلى الأوساط الجامعية المتخصصة.
وفي هذا السياق، تمثل المسابقة فرصة لطلاب الدراسات العليا لتطوير مهارات العرض والإقناع والتفكير النقدي، إضافة إلى تعزيز حضور البحث العلمي في الفضاء العام.
جامعة بيروت العربية ضمن شبكة أكاديمية عالمية
ومن خلال تنظيم هذه الفعالية، تنضم جامعة بيروت العربية إلى شبكة دولية من الجامعات التي تعتمد مسابقة 3MT كمنصة لتشجيع البحث العلمي والتواصل الأكاديمي.
كما تتيح المسابقة مساحة يلتقي فيها طلاب من اختصاصات متعددة، من الطب والهندسة إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، لتقديم أبحاثهم أمام جمهور عام بلغة أكثر قرباً ووضوحاً.
وبينما لا تتجاوز مدة العرض ثلاث دقائق، فإن ما يقف خلف هذه الدقائق القليلة هو غالباً سنوات من البحث والعمل الفكري، تُختصر في لحظة واحدة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والتواصل الإنساني. وهكذا يتحوّل البحث العلمي من صفحاتٍ أكاديمية مغلقة إلى رسالة حيّة تصل إلى المجتمع.